رأي

لماذا الشيخ يصلي و”الشيخة” ترقص؟

بقلم سعيد الغماز

خلال نقاشي مع أحد الظرفاء، توجه إليَّ وقال: أريد أن أسألك سؤالا فلسفيا. لم أستغرب لطلبه، لأني كنت أحاوره بمقولات لفلاسفة من مختلف العصور، اليوناني والوسيط والإسلامي ثم عصر النهضة. فتوجه لي بالسؤال التالي: “لماذا الشيخ يصلي والشيخة ترقص”؟ حاولت البحث عن جواب ساخن “A chaud” كما يقال، فلم أجد ما أقوله له، عندئذ أدركت أنه فعلا سؤال فلسفي، يتطلب الاستنجاد بآليات التفكير الفلسفي، للاقتراب من الجواب ولا أقول لإعطاء الجواب الشافي.

بين “الشيخ” والشيخة” حرف واحد هو تاء التأنيث. لكنه حرف ينقلنا من جنس إلى جنس، ومن عالم إلى عالم. ينقلنا من الجنس الذكوري إلى الجنس الأنثوي، وما تحمله هذه النقلة من أبعاد وأفكار تدخل في اختصاص علماء الاجتماع. أما تمثلات السؤال التي حددت الشيخ في دائرة الصلاة، والشيخة في دائرة الرقص أو “الشطيح، فهي تنقلنا إلى الثنائية الفلسفية التي تميز بين عالم الخير وعالم الشر. هذه الثنائية كانت وراء ظهور الفلسفة، لذلك فسؤال الصديق الذي وصفتُه بأحد الظرفاء، هو فعلا سؤال فلسفي.

فالمرأة في التفكير الفلسفي موضوع شائك تطور عبر العصور، واختلفت النظرة الفلسفية إليها بين التهميش والتقدير، بين كونها كائنا ناقصا وكونها مساوية للرجل في الحقوق والقدرات.

بمنطوق آليات الفكر الفلسفي، يمكننا القول إن مقابلة “الشيخ الذي يصلي” بِ “الشيخة التي ترقص”، يضعنا أمام ثنائية متناقضة شبيهة بصراع الخير والشر في عالم الفلسفة، وصراع الملائكة والشياطين في عالم الأديان. وقد نجد في فلسفة أرسطو، أفكارا يمكنها أن تقربنا من الجواب عن إشكالية الشيخ والشيخة. فأرسطو يَعتبر أن المرأة أدنى من الرجل في العقل والمنطق، وأنها مخلوقة لتكون خاضعة، كما يَعتبر الرجل يمثل الفاعلية، بينماتمثل المرأة دورا سلبيا في الطبيعة. لذلك شبه أرسطو المرأة بالتربة التي يقتصر دورها في استقبال البذور لإنتاج الفواكه، لا غير. بطبيعة الحال لا يمكننا أن نتبنى هذه الأفكار التي تعكس واقعا اجتماعيا عاصره أفلاطون وحوَّله إلى مبحث فلسفي.

في كتابه الشهير “هكذا تكلم زرادتش” قال نيتشه: “إذا ذهبتَإلى المرأة فلا تنس السَّوط” وهي جملة أثارت جدلا واسعا حول مقصده الحقيقي منها. نيتشه يرى أن المرأة تمتلك سحرا وقوة غامضة، لكنها أدنى من الرجل في القوة والعقلية. لذلك يقترن الشيخ بالصلاة كعنوان للقوة والعقلية، وتقترن الشيخة بالرقصالذي يُضمر قوة غامضة. فرقص الشيخة فيه من القوة ما يجعله يؤثر في كثير من الرجال، ويجعلهم مستلبين أمام الإثارة التي تُخلِّفها حركات الرقص. وفيه كذلك من الغموض ما يجعلنا غير قادرين عن تفسير فقدان منطق الحكمة عند الرجال أمام رقص الشيخة، واستلاب عقلوهم ليصيروا أداة طيعة في يد المرأة التي تتقن رقص الشيخة.

جون جاك روسو أكد على الاختلاف بين الرجل والمرأة، معتبرا أن وظيفتها الطبيعية هي الأمومة ورعاية الأسرة. وإذا ابتعدت عن هذه الوظيفة ودخلت عالم الرجولة، تكون ضحية هذا العالم الذي يجعلها شيخة دورها الرقص، ويجعل دور الشيخ في مجال أسمى هو الصلاة. أما إيمانويل كانط فيرى أن المرأة ليست عقلانية بالكامل مثل الرجل، وأنها تحكمها العاطفة أكثر من المنطق. لذلك يكون من السهل تصنيفها في خانة “الشيخة التي ترقص” حين تريد اقتحام عالم الرجال.  

ربما تكون فلسفة كارل ماركس الأقرب لفهم معادلة صلاة الشيخ ورقص الشيخة. فماركس يعتبر أن الاضطهاد الذي تتعرض له المرأة في النظام الرأسمالي هو ما يجعلها بعيدة عن المساوات بين الجنسين. لذلك نجد اقتران الشيخة بالرقص، إنما يعكس الاضطهاد المجتمعي في الأنظمة الرأسمالية، الذي يجعل المرأة بعيدة عن الشروط المجتمعية المتوفرة للرجل. لذلك يكون الشيخ مقرونا بالصلاة كتعبير عن تفوقه وتمتعه بمزايا غير متوفرة للمرأة. فهذه الأخيرة، تسقط في الدرجة الدنيا من المجتمع وهو ما يعكسه مفهوم “الشيخة ترقص”، فيما يتمتع الرجل بدرجات عليا في المجتمع يتمثلها مفهوم “الشيخ يصلي”.

في الأخير يمكننا القول إن معادلة “الشيخ يصلي والشيخة ترقص”، إذا عرضناها على علم الاجتماع، فإننا نكون أمام مفارقة يمكن أن تجعل من المرأة أداة لتطور المجتمع، كما يمكن أن تجعلها أداة لهدم المجتمع وعرقلة كل برامج التطور والتقدم. فصراع الحضارات وتدافع القوى المسيطرة على العالم، تجعل من المرأة أداة لعرقلة تطور الشعوب وتقدم المجتمعات. قد تكون الشعارات المعلنة رنانة وبراقة من قبيل الحقوق والمساوات والكرامة، لكن الباطن يضمر عكس ذلك.

ولعل أبرز مثال بهذا الخصوص هو النظام الأبوي “الباتريرياركي” السائد في الهند. فما هو معلن هو تمكين المرأة الهندية من حقوقها وتخليصها من تسلط الرجل في مجتمع يسوده النظام الأبوي. أما ما هو مُضمر فيكمن في تحطيم أعمدة النظام الأبوي الذي يشكل العمود الفقري في نهضة الهند الاقتصادية والتنموية. فهذا النظام هو الذي ساهم في تطوير النسيج الاقتصادي للهند، وفي الحفاظ على الشركات العائلية التي تطورت وتوسعت وبقيت قائمة منذ أكثر من قرن من الزمان. فموت مؤسس الشركة العائلية لا يعني تصفيتها أو توزيع تركتها على الورثة، وإنما يفرض النظام الباتريرياركي تسلم رئاسة الشركة من طرف الابن الأكبر، وهو ما جعل الهند تتوفر على شركات كبرى ظلت تتطور لأكثر من قرن من الزمان رغم أنها شركة عائلية.

بين شعارات المساوات التي تُعلن الانحياز لمصلحة المرأة، وبرامج تخريب المجتمعات باستغلال المرأة، أشياء كثيرة ومبهمة، لا يفهمها إلا من يستطيع قراءة ما بين السطور. أما من يكتفي بقراءة السطور، فهو بالتأكيد ضحية لمخططات كبيرة.  

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى