رأي

الشيوخ الصغار.. أم أزمة فهم كبير؟

بقلم كمال عصامي

قرأت باهتمام مقال الزميل يوسف الساكت بعنوان “الشيوخ الصغار”، المنشور مؤخرًا في جريدة “الصباح”، والذي تناول فيه ظاهرة ما وصفه بانتشار تلاميذ متدينين يتدخلون في اختيارات زملائهم وزميلاتهم في المدارس من حيث اللباس والمظهر والسلوك. ورغم أن المقال جاء تحت شعار الدفاع عن الحريات الفردية داخل الفضاء المدرسي، إلا أنه ـ في مضمونه ـ انزلق إلى تعميم خطير، وتقديم صورة نمطية مشوهة عن كل تلميذ يظهر عليه أثر تدين أو سلوك محافظ.

أولًا: هل هناك مبالغة؟

من الصعب تصديق أن المؤسسات التعليمية أصبحت مسرحًا مفتوحًا لـ”شرطة دينية” تتربص بالبنات والذكور وتسائلهم عن صلاتهم وحجابهم ومظهرهم، كما صوّر الكاتب. وإذا افترضنا ـ جدلًا ـ أن هذه الممارسات تقع في حالات فردية معزولة، فإن تضخيمها بهذا الشكل يعكس أزمة انتقاء، لا تشخيصًا موضوعيًا لواقع.

بل الأدهى أن المقال لم يفرق بين من يسأل بدافع الفضول أو النصيحة، وبين من يفرض أو يتنمر، فوضع الجميع في سلّة واحدة عنوانها: “الشيوخ الصغار”.

ثانيًا: أليست حرية التعبير للجميع؟

من المؤسف أن يصبح مجرد سؤال عن الصلاة أو الحجاب أو اللباس الشرعي موضع اتهام بـ”الوصاية الدينية” و”التحكم في الآخرين”. أليست حرية التعبير مكفولة أيضًا للمتدينين؟ أليس من حق تلميذ أن يعبر عن رأيه أو يناقش قناعاته؟ أم أن “حرية التعبير” حكر فقط على تيار واحد دون غيره؟

المؤسسات التعليمية في جوهرها فضاء للنقاش، والاختلاف، والتعدد، لا لإقصاء فئة بسبب مظهرها أو مرجعيتها. وإلا فإننا نمارس نوعًا جديدًا من الإقصاء الأيديولوجي تحت ستار “الدفاع عن الحريات”.

ثالثًا: تنمر مضاد؟

حين يُختزل التلميذ المحافظ في صورة “الظلامي”، و”المتخلف”، و”المرعب”، فهذا في حد ذاته تنمر مضاد، وتشويه لسلوك ملايين من التلاميذ الذين نشأوا على قيم دينية وأخلاقية محترمة.
لا أحد ينكر أن بعضهم قد يتجاوز، لكن ذلك لا يبرر شيطنتهم جميعًا، ولا يسوّغ الزجّ بهم في خانة “الخطر الداهم”، وكأننا أمام صحوة دينية تهدد المنظومة التعليمية!

رابعًا: تجاهل للظواهر الأخطر

الغريب أن المقال ركز على “الشيوخ الصغار”، لكنه تجاهل تمامًا ما تعانيه المدارس فعلًا من:
• تفشي العنف الجسدي واللفظي،
• التحرش والابتزاز الإلكتروني،
• انتشار “روتين اليومي” والانحرافات السلوكية،
• غياب القدوة الحقيقية في البيت والإعلام.

أليس من الأولى أن ينصبّ التركيز الإعلامي على هذه الانحرافات، بدل الانشغال بتلميذ سأل زميلته عن الحجاب أو الصلاة؟

خامسًا: لا نصرة للتنمر.. من أي جهة

لنكن واضحين: التنمر سلوك مرفوض، سواء جاء من متدين أو غير متدين، ولا أحد يقبل فرض الوصاية بالقوة أو السخرية أو الضغط. لكن الفرق كبير بين من يناقش أو ينصح أو يستفسر، وبين من يتوعد أو يحقّر أو يعنف.
كما أن معالجة التنمر لا تكون بتأليب المجتمع على فئة معينة، بل بالحوار والتوجيه التربوي والتأطير النفسي والديني المتوازن.

فالمطلوب اذن  اليوم ليس محاربة “الشيوخ الصغار” ولا “الحداثيين الصغار”، بل صناعة تلميذ حرّ، متزن، متخلق، يحترم غيره ويُحترم، أيًا كانت قناعاته أو مظهره.
كما أننا بحاجة لإعلام تربوي يعالج القضايا بميزان العدل والاعتدال، لا بعين الإقصاء أو التهويل. فالمدرسة ليست مصنعًا لإنتاج نسخة واحدة من الإنسان، بل حاضنة للتنوع والاختلاف، في إطار الاحترام والمسؤولية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى