
استمعت صدفة إلى أحد الأشرطة الأخيرة للمدعو أحمد عصيد يقول فيها بأن الصين لم تتقدم بنهح أية شريعة ،و لم تتقدم بتناكحوا تناسلوا و إنما تقدمت و تطورت بالعلم و التكنولوجيا و أنها ستقود العالم في هذا المجال سنة 2030. شخصيا لا أحب أن أجيب على ترهات و أباطيل هذا الكائن الذي سخر نفسه لمهمة واحدة هي محاربة عقيدة المغاربة و المسلمين لكن بما أنه استشهد بالصين قررت الرد حتى أبين للمعجبين به الجهل الذي يتخبط فيه الرجل.
أولا الرجل يتكلم و كأن سبب تخلف المسلمين اليوم هو تطبيقهم للشريعة الإسلامية و التناسل و التكاثر. و الحقيقة أن ما قاله عصيد ليس بجديد ، فقد قال به قبل قرن من الزمن مصطفى كمال أتاتورك في تركيا و قضى على الخلافة الإسلامية و كل مظاهر التدين و حول تركيا إلى دولة علمانية ، ثم تبعتها عدد من الدول الإسلامية التي انتهجت طريق الاشتراكية و الليبرالية و القومية كل ذلك تحت ذريعة أن الإسلام هو سبب التخلف و أن اختيارهم جاء من أجل التطور و التقدم و الإزدهار و اللحاق بما وصل إليه الغرب من تقدم. لكن شاهدنا كيف أن كل هذه التجارب فشلت و لم تؤدي سوى لمزيد من التخلف و الإستبداد. كما أن هذه الدول كلها عملت على الحد من التكاثر و التناسل بتطبيق مخططات الأمم المتحدة في مجال تحديد النسل ،و رغم ذلك لم تفلح كل هذه السياسات في تقدم الدول العربية و الإسلامية. رأينا أن تركيا لم تتطور و تدخل مجال التصنيع و التكنولوجيا إلا بعد وصول أردوغان. أحمد عصيد يتحدث و كأن الدول العربية و الإسلامية تطبق الشريعة و التكاثر و التناسل مما تسبب في تخلف الأمة.
بالنسبة للصين عكس ما ادعى فهي تناسلت و تكاثرت أكثر من جميع الأمم ، و اعتقد قادتها أن الشيوعية و القطيعة مع التراث الصيني سيؤدي إلى التقدم وقام ماو تسي تنغ بتطبيق سياسة القفزة الكبرى من أجل التصنيع ثم بعد ذلك جاءت الثورة الثقافية التي دامت عشر سنوات و أدت إلى كارثة كبرى في الصين و مجاعة أدت إلى هلاك ملايين من الناس و التخلف شديد. و بعد مجيء الرئيس دنغ شياو بينغ و انتهاجه سياسة الإصلاح و الإنفتاح و الاشتراكية ذات الخصائص الصينية و التي انتقلت من الاقتصاد الموجه إلى اقتصاد السوق و الإعتماد على التراث و الثقافة الصينية و إحياء تعاليم كونفوشيوس و الأخلاق المتوارثة عن الأجداد فأوصلتا لصين إلى ما وصلت إليه منن تقدم . فلماذا لا يتحدث عن الأسس التي اعتمدت عليها الصين لتصل إلى ما وصلت إليه. صحيح أنها كذلك قررت الحد من النسل و اعتمدت سياسة الطفل الواحد ، لكن بعد سنوات من تطبيق هذه السياسة تسببت في كثير المشاكل كوأد البنات خصوصا في البوادي من أجل فرصة إنجاب ذكر و شيخوخة الشعب الصيني و نقص في اليد العاملة مما اضطر الصين إلى الدعوة إلى طفلين ثم ثلاثة و تشجيع الناس على التناسل و التكاثر لكن الشباب الصيني أمام الضغوطات الإقتصادية و الاجتماعية ، يفضل العزوف عن الزواج و إذا تزوج يفضل عدم الإنجاب و هذه من المعضلات الكبرى التي تعيشها الآن الصين.
لقد ابتلينا بأناس جهال يدعون العلم و هم ليسوا لا علماء و لا مخترعون و لا علاقة لهم بالعلم و يدعون أنهم مفكرون و لا يعتمدون في تفكيرهم على أي دراسات جادة و لا على أي إحصائيات ،كل همهم هو جلد الذات و الظهور بمظهر المتنورين العقلانيين.
كان على هؤلاء الإنكباب على المشاكل الحقيقية للمجتمع و التي فعلا تؤدي للتخلف و إعطاء حلول واقعية لمعالجتها ،كالفساد و الإستبداد و تهميش الكفاءات و تشجيع التفاهات. فهل مشكلتنا يا عصيد اليوم هو التكاثر و التناسل أم العكس هو العزوف عن الزواج و عدم الإنجاب ؟ و هل مشكلتنا اليوم هو أننا نطبق الشريعة و نلتزم بالأخلاق الحميدة أم العكس ؟و هل مشكلتنا اليوم هو أننا ننهل من تراثنا و عاداتنا ما هو صالح كما تفعل الصين أم العكس ؟




