رأي

عصيد وخرافة التقدّم بدون قيم: حينما يتحول الجهل إلى مشروع للتضليل”

الدكتور محمد خليل

استمعت صدفة إلى أحد الأشرطة الأخيرة للمدعو أحمد عصيد يقول فيها بأن الصين لم تتقدم بنهح أية شريعة ،و لم تتقدم بتناكحوا تناسلوا و إنما تقدمت و تطورت بالعلم و التكنولوجيا و أنها ستقود العالم في هذا المجال سنة 2030. شخصيا لا أحب أن أجيب على ترهات و أباطيل هذا الكائن الذي سخر نفسه لمهمة واحدة هي محاربة عقيدة المغاربة و المسلمين لكن بما أنه استشهد بالصين قررت الرد حتى أبين للمعجبين به الجهل الذي يتخبط فيه الرجل.
أولا الرجل يتكلم و كأن سبب تخلف المسلمين اليوم هو تطبيقهم للشريعة الإسلامية و التناسل و التكاثر. و الحقيقة أن ما قاله عصيد ليس بجديد ، فقد قال به قبل قرن من الزمن مصطفى كمال أتاتورك في تركيا و قضى على الخلافة الإسلامية و كل مظاهر التدين و حول تركيا إلى دولة علمانية ، ثم تبعتها عدد من الدول الإسلامية التي انتهجت طريق الاشتراكية و الليبرالية و القومية كل ذلك تحت ذريعة أن الإسلام هو سبب التخلف و أن اختيارهم جاء من أجل التطور و التقدم و الإزدهار و اللحاق بما وصل إليه الغرب من تقدم. لكن شاهدنا كيف أن كل هذه التجارب فشلت و لم تؤدي سوى لمزيد من التخلف و الإستبداد. كما أن هذه الدول كلها عملت على الحد من التكاثر و التناسل بتطبيق مخططات الأمم المتحدة في مجال تحديد النسل ،و رغم ذلك لم تفلح كل هذه السياسات في تقدم الدول العربية و الإسلامية. رأينا أن تركيا لم تتطور و تدخل مجال التصنيع و التكنولوجيا إلا بعد وصول أردوغان. أحمد عصيد يتحدث و كأن الدول العربية و الإسلامية تطبق الشريعة و التكاثر و التناسل مما تسبب في تخلف الأمة.
بالنسبة للصين عكس ما ادعى فهي تناسلت و تكاثرت أكثر من جميع الأمم ، و اعتقد قادتها أن الشيوعية و القطيعة مع التراث الصيني سيؤدي إلى التقدم وقام ماو تسي تنغ بتطبيق سياسة القفزة الكبرى من أجل التصنيع ثم بعد ذلك جاءت الثورة الثقافية التي دامت عشر سنوات و أدت إلى كارثة كبرى في الصين و مجاعة أدت إلى هلاك ملايين من الناس و التخلف شديد. و بعد مجيء الرئيس دنغ شياو بينغ و انتهاجه سياسة الإصلاح و الإنفتاح و الاشتراكية ذات الخصائص الصينية و التي انتقلت من الاقتصاد الموجه إلى اقتصاد السوق و الإعتماد على التراث و الثقافة الصينية و إحياء تعاليم كونفوشيوس و الأخلاق المتوارثة عن الأجداد فأوصلتا لصين إلى ما وصلت إليه منن تقدم . فلماذا لا يتحدث عن الأسس التي اعتمدت عليها الصين لتصل إلى ما وصلت إليه. صحيح أنها كذلك قررت الحد من النسل و اعتمدت سياسة الطفل الواحد ، لكن بعد سنوات من تطبيق هذه السياسة تسببت في كثير المشاكل كوأد البنات خصوصا في البوادي من أجل فرصة إنجاب ذكر و شيخوخة الشعب الصيني و نقص في اليد العاملة مما اضطر الصين إلى الدعوة إلى طفلين ثم ثلاثة و تشجيع الناس على التناسل و التكاثر لكن الشباب الصيني أمام الضغوطات الإقتصادية و الاجتماعية ، يفضل العزوف عن الزواج و إذا تزوج يفضل عدم الإنجاب و هذه من المعضلات الكبرى التي تعيشها الآن الصين.
لقد ابتلينا بأناس جهال يدعون العلم و هم ليسوا لا علماء و لا مخترعون و لا علاقة لهم بالعلم و يدعون أنهم مفكرون و لا يعتمدون في تفكيرهم على أي دراسات جادة و لا على أي إحصائيات ،كل همهم هو جلد الذات و الظهور بمظهر المتنورين العقلانيين.
كان على هؤلاء الإنكباب على المشاكل الحقيقية للمجتمع و التي فعلا تؤدي للتخلف و إعطاء حلول واقعية لمعالجتها ،كالفساد و الإستبداد و تهميش الكفاءات و تشجيع التفاهات. فهل مشكلتنا يا عصيد اليوم هو التكاثر و التناسل أم العكس هو العزوف عن الزواج و عدم الإنجاب ؟ و هل مشكلتنا اليوم هو أننا نطبق الشريعة و نلتزم بالأخلاق الحميدة أم العكس ؟و هل مشكلتنا اليوم هو أننا ننهل من تراثنا و عاداتنا ما هو صالح كما تفعل الصين أم العكس ؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى