منذ مدة وأنا أنظر في الخط الذي تحول إليه الدكتور يوسف حميتو بعد أن وطأت قدماه أرض الإمارات العربية المتحدة وقد كان يبحث جادا عن التمكين لنفسه، والتعبير عن قدراته ومؤهلاته في القيام بما من شأنه أن يقنع القوم بخدماته… واليوم يعلمنا بأنه أجمع شجاعته للخروج للناس من غير مواربة أقلقه البقاء في المنطقة الرمادية، أو أن المرحلة السابقة استنفذت أغراضها، فأقلقت القوم بقاؤه فيها، وأن عليه أن يتقدم في الجرأة، فاختار الخروج معلنا عن اختيار توجه دولة الإمارات التي أصبحت حائط صد ضد أفكار الحركة الإسلامية، وضد اختطاف الدين، وضد احتكار الدولة كما قد عبر عن ذلك. فلنحمد منه اليوم هذا الوضوح على الأقل.
ادعاءات الدكتور يوسف عبد الله حميتو:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ركز الدكتور يوسف حميتو في كلمته على ما يلي:
* اعتبار جماعة الإخوان جماعة الضلال والتضليل.
* وحاول إبراز هذا الضلال والتضليل من خلال مفهوم الحاكمية، وأنه مصطلح حادث مع جماعة الإخوان المسلمين
* وأكد أن هذا الضلال منبعه انعدام وجود العلماء في هذه الحركات الإسلامية، مما جعلها عرضة للأهواء الضالة المضلة.
فلننظر في هذه الدعاوى، حتى نتأكد من وجودها فنحمد له صنيعه واكتشافه، أو يتبين لنا غلطه وركوبه متن الظلم.
المنهج عند يوسف حميتو:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ولقد استهل كلمته بأن التحليل النقدي يكشف عن فجوة عميقة بين المفهوم كما طرحه منظرو الإخوان، وبين أصوله في التراث السياسي الإسلامي وخاصة الماوردي والجويني. ووعد بأن يوقفنا على كشف الخلل المنهجي عند الحركة الإسلامية.
وتتبعت الرجل في ورقته التي استظهرها علينا، فلم أر فيما ذكره منهجا وعدنا به، وإنما هي جملة أفكار يرد بها على أفكار. فالرد على الأفكار شيء، والرد بمنهج على منهج شيء آخر. ولكن المدرس بالهيئة التدريسية بجامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية لا يفرق بين المعرفة ومنهج المعرفة… فأنى له ساعتها أن يكشف الأخلال، وهو قد بدأ بمقدمة كلها أخلال.
لا أحد فوق النقد:
ـــــــــــــــــــــــــ
وإن من تمام رجاحة العقل عند المتكلم أن يوقن نظريا وعمليا أن لا أحد مهما علت جلالته فوق النقد، وأننا أهل الإسلام لا نؤمن بعصمة كائن من كان منا إلا أن يكون الرسول الأكرم الذي عصمه ربه عز وجل في تبليغ دينه. فلا عصمة لآل نهيان، ولا للإخوان، ولا ليوسف حميتو فيما عرض على الناس من صفحة عقله.
فهل تستطيع يا يوسف أن تقول هذه الكلمة وأنت تدريسي في أبي ظبي عبر تدوينة مقتضبة.
إن سيد قطب والمودودي، وغيرهما ممن لهم حضور، لنا منهم ما لنا، وليس علينا أن نتبعهم فيما أخطأوا فيه، بل يجب في حقنا بيان هذا الخطإ للناس، لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم.
لقد فتحت الحركة الإسلامية باب النقد لها وعليها، وعقدت المؤتمرات من أجل ذلك، وأنت لا تزال لم تلج الجامعة بعد. ودونك كتاب: الحركة الإسلامية: رؤية مستقبلية: أوراق في النقد الذاتي.
كما أنها كانت سباقة إلى فتح باب النقد سنين عددا أمام أهل الفكر والرأي من جميع التوجهات، تحت عنوان ألفه الناس كل شهر: أين الخلل؟
النصيحة لدولة الإمارات:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كما أن هذه النصيحة تشمل دولة الإمارات أو المغرب أو أي دولة من دول المسلمين، وأنها تخطئ وتصيب، ومنها من خطؤها مغتفر يسير، ومنها من خطؤها عظيم…لكن الشجاعة التي وجدتها اليوم لتنتقد سيد قطب بحق أو بغيره، وتدلف إلى نقد الجماعة كلها، وهو حق لك نعترف به إذا أخلصت النية، وكانت النقدات لله، لا لآل زيد. لننتظر منك أختها لتبرئة ذمة هجومك، وأن تعالن بكلمة في حق هذه الدولة أو تلك، ما دمت قد سلكت سبيل النقد. إلا إن رأيتها أنها معصومة، وحائط صد لا يجوز الاقتراب منها.
إن البعض يمتلك الشجاعة على ضعفاء الله في الأرض، ولا ينبس بنصف كلمة في حق أباطرة الظلم، وليت هؤلاء وقفوا عند هذا، بل راحوا يجملون الأعمال الكالحة: و” ستكتب شهادتهم ويسألون”.
بركة العلم:
ـــــــــــــــــ
ومما أحمده للدكتور يوسف، أنه قرر في أطروحته عن اعتبار المآل في منهجية بحثه، نسبة الأقوال لأصحابها، طلبا لبركة العلم، ونقل في هذا الباب مقالة للقرطبي من تفسيره للتأكيد على بركة العلم بعدم التنكر لمن استفاد منهم(الصفحة 20 من طبعة مركز نماء). فهل لا يزال هذا المعنى الذي أجيز به، وتحصل به على الشهادة التي أهلته للتدريس قائمة أو وقع الانزياح عنها؟
لقد كان صادقا مع نهجه الجديد، فحذف هذه البركة من طبعة مركز الموطإ، بركة العلم بنسبة الأقوال لأصحابها، ووجد أن لا معنى للتعلق ببركة العلم، وأن استبدال ذلك ببركة ما هاجر من أجله كاف بالغرض. وإن مقصد بركة العلم بنسبة الأقوال لأصحابها، إنما هي أفكار زمن الشبيبة التي لم تعد صالحة للاستمرار معه اليوم.
ومن يدري أن يكون التنكر لها هو من أفقد ما قرأه على الناس بركته.
والمهم لقد صدق في هذا الحذف، الذي يصيب قلبه بوخزات لا يتحملها.
شيخي حفظه الله:
ـــــــــــــــــــــــــــــ
في أحايين كثيرة أثنى الدكتور يوسف حميتو على شيخه، واعترف بالمشيخة له. ودعا له بحفظ الله تعالى له…إلى كثير مما قاله عن شيخه في طبعة مركز نماء عام2012م(الصفحة 38 ـ 41…الخ، من طبعة مركز نماء). وشيخه هاهنا الذي أثنى عليه ثناء عريضا، لا يفوت فرصة الحديث عنه، أو الاقتباس من كتبه، إلا وأزجى له جميل التحليات، هو الدكتور أحمد الريسوني.
الانتقال إلى الإمارات:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ثم لما انتقل إلى دولة الإمارات أعاد طبع كتابه ضمن إصدرات مركز الموطأ للدراسات والتعليم/ أبو ظبي، عام 2018م. فنسي شيخه، وكشط ذكره من جميع صفحات الكتاب التي تقترب من 468 صفحة. كما كشطه من لائحة المصادر والمراجع…وتتبعه صفحة صفحة، وزنقة زنقة، وحيثما وجده حذفه وحذف تحلياته له.
لقد استفز يوسف كل برق لاح له، فتخلى عن بركة نسبة العلم لأهله، من أجل بركة الدرهم والدينار.
وللإنصاف فليست هذه فعلة يوسف حميتو وحده، بل هي فعال كثير من هؤلاء الذين نشروا في الإمارات، ويترددون عليها، ومنهم من كان الدكتور أحمد الريسوني مشرفا عليه والمقترح للموضوع والمتابع لإنجازه…
إن المشترك بين هؤلاء الذين هم على شاكلة يوسف هو كشط أسماء أبناء الحركة الإسلامية، وحذف كتبهم من لائحة المصادر والمراجع، ومن هذه الكتب من خرجت بسبب الحذف مشوهة عن النسخة الأصلية.
وصاحبنا يوسف حميتو لم يتخلص من الريسوني وحده، بل تخلص من جميع من هو معدود على مدرسة الإخوان..إلا من لم يشتهر بذلك، فقد تركه. وأنت أعرف يا صديقي بمن كشطت اسمه ونصوصه ومراجعه، ومن أبقيته.
آه على العلم:
ـــــــــــــــــــــ
ثم إن يوسف قد عرفنا بالمعرفين لمصطلح الاعتبار، حيث أورد تعريف كل من الغزالي، وابن قدامة، والزركشي، وابن عاشور، وعبد الكريم عكيوي، وأحمد الريسوني..ثم كانت خلاصة هذه الإيرادات، قوله:” إن مفردات تعريف الدكتور الريسوني أدق في الاستعمال بالنظر إلى موضوع اعتبار المآل، فطبيعة النظر في في المآلات تتأسس على النظر في النازلة ارتباطا بالدليل العام الذي قد يكون نصا أو اجتهادا…”(الصفحة36 من طبعة مركز نماء).
فماذا فعلت المنهجية الجديدة بالدكتور يوسف حميتو؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كشط تعريف شيخه دون باقي التعريفات (طبعة مركز الموطأالصفحة 43)، ولم يوضح لنا سبب هذا الكشط الذي هو أدق التعريفات عنده. ومن يملك النسخة الأولى وينظر في الثانية ليتساءل عن السبب العلمي في حذف أدق التعريفات عنده.
لكن للأسف الشديد أن التعليق السابق منه أنه أدق بعلة: طبيعة النظر في المآلات تتأسس على النظر في النازلة ارتباطا بالدليل العام الذي قد يكون نصا أو اجتهادا…كما قد كتب ذات زمان. قد حذف اسم الريسوني وتعريفه، وحذف جزء من الإشادة بتعريف الريسوني، ليتحول الجزء الذي أبقاء وهو: طبيعة النظر في المآلات…إلى غيره من المعرفين. لقد أفهمنا اليوم عكس ما كان عليه بالأمس، أفهمنا من الحذف والإبقاء أن ما كان بالأمس من التعريفات غير دقيق، قد أصبح هو الدقيق الذي يتأسس على طبيعة النظر في المآلات. وما هو تعليل هذا التحول؟
والجواب: إنه الدكتور أحمد الريسوني الذي لا ترتضيه الإمارات.
وفهم يوسف حميتو الدرس منهم، وتصرف على وفق الفهم الجديد، وهذا ذكاء منه في البحث عن مقاصد نفسه، والابتعاد عن منافع بركة العلم ونسبة الأقوال لأصحابها التي لا يؤمن جانب الاعتقاد فيها على مقاصدها الخاصة التي هرول إليها.
درس للطلبة:
ــــــــــــــــــــــ
ومع ذلك، فإني منتفع بما قاله الدكتور يوسف وإن تأسفت له، من جهة هذه الطريقة في التحول التي يتنكر فيها المرء من تاريخه، ويرتعب منه خوفا على لعاعات الدنيا التي سوف نرحل عنها جميعا إلى جهة الديان الذي لا يظلم الناس عنده.
لقد أمكنني حاله الجديد هذا، من تقديم درس نموذجي لطلبة العلم في بيان التدحرج الذي تفعله الدنيا في نفوس طلبة العلم. إنه نموذج الدكتور يوسف عبد الله حميتو كما يحلو له التعريف بنفسه اتباعا لطريقة القوم في التعريف.
الطلبة اللصوص:
ـــــــــــــــــــــــــــ
لقد أكثر القوم في باب السلوك ذكر تلاعب الدنيا بأهلها، وكيف أنها تسلب عقلهم وأفكارهم وتخبلها عليهم. ومن ذلك ما جاء في كتاب التشوف إلى رجال التصوف عند الترجمة لأبي محمد عبد العزيز التونسي، وهي الترجمة السادسة في الكتاب. وكان يتبرم ويشكو من هذا النوع من الطلبة، الذين جعلوا ما تعلموه شباكا لاصطياد الدراهم وإن بتحريف الشريعة عن وجهها، أو بإساءة تأويلها. قال عند الترجمة له:” ودرس الناس الفقه، ثم تركه لما رآهم نالوا به الخطط والعمالات، وقال: صرنا بتعليمنا لهم، كبائع السلاح من اللصوص”.
(يتبع إن شاء الله تعالى ببيان ما عرض له)





