رأي

دموع في الغربة… الدكتور محمد برة يكتب عن رحيل الشيخ الكرعاني

كتبه الراجي لعفو الله محمد برة بمونتريال كندا

استيقظت صباحا وكعادتي أتابع اخبار صديقي وابن حينا الشيخ عبد العزيز الكرعاني -رحمه الله-  فأصحاب الغربة أمثالي لا يملكون إلا ذلك، فهي تبريد للغلة وشفاء للعلة، ثم قرأت ما كدر الخواطر وأزعج القلوب خبر وفاته، ولم أهتم بذلك لعلمي أنها إشاعة سبق تكذبها، فلما قرأت مقالا لشيخنا العلامة سيدي عدنان زهار ينعي فيه المرحوم علمت ما نفذ من قضاء الله، وبعدها كثرت الاتصالات من كندا وغيرها، فقد طار الخبر في الآفاق الذي جفت له الأكباد فزعا، وذهلت عند سماعه الأحباب جزعا، فلا تسألوا كيف استقبلت هذا الخطب العظيم والحادث المقيم، ولولا ثقتنا في الله ويقيننا فيه لطاشت الأحلام وزلت في مقام الحزن الأقدام، لكن الحال لا يستأذن فما نقول في لهجتنا الدارجة، حيث جادت العيون بالدموع وحلف السرور على المقاطعة لفقده وموته، وماذا يفيد البكاء واستمرار الأحزان ودوام الأشجان؟ وهذه الدنيا بشهواتها ولذاتها خيال، مآلها ونهايتها إلى زوال، فألبست القلم ثوب الحداد، وسال ما تقرؤون من  المداد..

 الشيخ المرحوم السيد عبد العزيز كرعاني خسارة أمثاله جسيمة، والفجعة فيه عظيمة، ووفاته مكدرة أليمة، أسال الله العظيم أن يصبر أسرته وأحبابه على هذه الرزية، ويخفف عنهم غصة هذه البلية.

 لقد جمعتني بالمرحوم علاقة قوية في التجارة والدعوة إلى الله تعالى، ودامت لسنوات وأشهد الله تعالى أنه كان ورعا تقيا نقيا، -يعلم ذلك من خالطه- فقد حباه الله من الأخلاق الكريمة والمآثر العظيمة، من أبرزها -وهذا تواتر عنه- محبته للفقراء والمساكين وتقديم العون لهم..

 وقد كنا أيضا شريكين في محل نبيع فيه الطعام (المسمن والحرشة) فما وجدت منه إلا الصدق والوفاء، والأمثلة كثيرة ليس هذا محلها…منها على سبيل المثال: أننا خصصنا صندوقا صغيرا للمحتاجين، ومرة دخل أحد الأشخاص يطلب مني صدقة، فقلت في نفسي لما رأيته : هذا غير صادق ومخادع، فأجبته بلطف، كما أمرنا الله عزوجل (الله يسهل) لكن الشيخ رمقني الشيخ رحمه الله  وكان في شغل شاغل لم يمنعه أن يوقف عمله ليأتي إلي ناصحا بكل حب ورحمة كعادته : سيدي محمد لا ترد أحدا.. فتأثرت بذلك تأثرا عظيما، ومن حينها –والله- ما فرغ ذلك الصندوق.

ومما أذكر أيضا في هذه العجالة، أننا كنا نشتري الزبدة البلدية من أحد الأشخاص، فنصحني أن نمتنعا عن بيعها ورعا وخوفا من الله تعالى، لكثرة الغشاشين وقلة الصادقين، رغم إقبال الناس على شرائها.

 اما محبته للعلم والدعوة والقرآن، فكما قال الشاعر حَدِّثِ الن …. ناسَ عنه ولا حرج، فقد كنا نبحث عن مجالس العلماء ونحرص  عليها أشد الحرص، ونمشي  إليها على أقدامنا رغم المسافات الطويلة، وبعد أن ذقنا حلاوة العلم اشتاقت أنفسنا لدراسته، فيسر الله سبحانه وتعالى ذلك بواسطة أحد إخواننا الصالحين، وكانت الوجهة الشيخ المرحوم محمد زحل حيث رحب بنا وفرح لذلك، ثم سألنا عن إمكانية الحضور إلى منزله بليساسفة –فيما أذكر- لكن سبل التواصل حينها منقطعة، والوصول إليه مستحيلة، فسررنا لذلك غاية السرور وانشرحت الصدور، مع خوف اختلط بالفرحة، فالشيخ له هيبة وجلال، وكان وقتها ممنوعا من الخطابة والدروس، وأذكر أن أول كلمة  قالها لنا في بداية درس ألفية الإمام ابن مالك رحمه الله بمكتبته بعين الشق : كتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن حزم فإن العلم لا يهلك حتى يكون سرا، ( قلت : وأصله في صحيح البخاري : باب كيف يقبض العلم وكتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن حزم انظر ما كان من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فاكتبه فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء ولا تقبل إلا حديث النبي صلى الله عليه وسلم ولتفشوا العلم ولتجلسوا حتى يعلم من لا يعلم فإن العلم لا يهلك حتى يكون سرا..).

كما أذكر أن الشيخ زحل رحمه الله عرفنا بابنه وتخصصه في علوم الفيزياء، وأنه ختم الألفية مرتين أو أكثر لا أذكر، وأخبرنا بالمواد والكتب التي سيُدرسها لنا، فالألفية في علوم اللغة، وبلوغ المرام في الفقه، ورياض الصالحين في الأخلاق إلخ…

 والمرحوم الشيخ الكرعاني كان صاحبه دمعة، وكل من صلى خلفه يبكي لبكائه، خوفا من الله وطمعا في رحمته ونواله، فقلبه يرق لذكر الله وتدمع عينه من خشيته، ويلهج لسانه بدعائه. 

ومن الموافقات العجيبة ان يموت في هذه الايام المباركة من ذي الحجة، فقد أقسم المولى سبحانه بها في كتابه الكريم حيث قال: (وَالْفَجْرِ  وَلَيَالٍ عَشْرٍ) [الفجر:1،2].

وقال فيها النبي صلى الله عليه واله وسلم: “ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام – يعني أيام العشر – قالوا: يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله ؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء”. 

ففي مثل هذه الأيام وبما أن الشيخ متقن للخط فقد كان خطاطا بارعا، كنت أكتب الاحاديث في فضائل العشر من ذي الحجة ثم أسلمها له ليكتبها بخطه الجميل حتى توزع بين المؤمنين والمؤمنات من الصالحين، وما زلت أملك صفحة مختصرة بخطه.. وليس معنى هذا أنه قليل العلم او المعرفة فهو متقن للعربية ومدقق لعلم النحو، وكم كنت أرجع إليه في قضاياه ومسائله، وهو أيضا يجيد التحدث باللغة الإسبانية والفرنسية.

 والشيخ –رحمه الله- كان خطيبا وواعظا مفوها يأسر القلوب ببيانه وصدقه، ومازالت مجالس الصالحين تذكره وتذكر صحبته، فالتحاب في الله تعالى والأخوة في دينه من أفضل القربات، وألطف ما يستفاد من الطاعات.

يا سيدي إن الجزاء لا يرد ميتا، ولا يطرد حزنا، وقد روي عن سيدنا علي رضي الله عنه :

إِنّا نُعَزّيكَ لا إِنّا عَلى ثِقَةٍ *** مِنَ الحَياةِ وَلَكِن سُنَّةَ الدينِ

فَلا المُعَزَّي بِباقٍ بَعدَ مِيتِهِ*** وَلا المُعَزِّي وَلَو عاشا إِلى حينِ

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى