
في مقالة سابقة تساءلنا معا عن ذاك السر العجيب الذي يجمع بين قيادة سياسية تاريخية ممثلة في زعيم المصباح السيد عبد الاله بنكيران والشخصية الفنية المعروفة بـ”كبور”، وخلصنا إلى ان “الإقبال الجماهيري” -رغم كبر السن- هو الذي ميز الشخصيتين الشهيرتين، كما اشرنا إلى ان ذلك “القبول” هو الذي جر عليهما سيلا من الانتقاد والهجوم من الخصوم والمناوئين والنقاد، بل قد جلب عليهما أيضا بعض “النيران الصديقة”!
وفي آخر المقالة طرحنا سؤالا ينتظر الإجابة : ما الذي يدفع الجماهير باختلاف شرائحها للازدحام على تذاكر شخصية كبور، في ظل وجود كوكبة كبيرة وجيل جديد من الشباب الساخر ..؟!
وهو السؤال ذاته الذي يرمي للكشف عن سببب تصويت شباب المصباح على “الزعيم التاريخي” في ظل وجود تشكيلة معتبرة من “القيادات الشبابية”، التي لم تستطع إزاحة “القيادة التاريخية” عن تصدر المشهد والتربع على عرش “القيادة”، عبر قاعدة جماهيرية معتبرة تمنحه شرعية لا غبار عليها..
فما سر تلك الشعبية التي يتمتع بها ذاك الزعيم المتهم بالشعبوية، وكذا ذلك الفنان الذي أبدع كوبل كبور والشعيبية؟
فهذا فنان فذ يؤكد بكل ثقة أن المعجبين بشخصية كبور يعدون بالملايين ..! وتقدم على ذلك دليلا بنفاد التذاكر في كل مرة، رغم تكرار العرض مرارا عبر مختلف مدن المملكة وحتى خارجها..!
أما الختيار بنكيران فقد ادرك بحسه الفطري والسياسي أنه ما زال “مقبولا” في صفوف حزبه، وكذا بين شريحة واسعة من المواطنين، وحجته في ذلك مدى الإقبال على أحاديثه ومنسوب المشاهدات المرتفع الذي تسجله خرجاته المسجلة، وهاهو يحظى بشرعية لا غبار عليها وتزكية من المؤتمر التاسع للمصباح، حيث انتزع منصب الامين العام من القيادات الشبابية “المنافسة”، وإن كانت الهيئة الانتخابية في معظمها من الشباب! فكيف نفسر ذلك؟
ذلك موضوع هذه العجالة..
لا شك ان ظاهرة استمرار “كبار السن” في لعب أدوار قيادية في عصرنا الحالي ليست جديدة أو غريبة، بل هي ظاهرة قديمة وضاربة جذورها في أعماق التاريخ البشري، وما نعيشه حاليا ماهو إلا استمرار لذلك “الاحترام” التام الذي يحظى به “كبير السن” في المجتمعات البدائية والقبلية التقليدية..!
فمنذ فجر البشرية كان كبير السن -وما يزال- يتصدر الجماعات والمجتمعات على مر العصور، إذ يمثل صمام أمان الجماعة التي يقودها، ويعد مركز ثقلها المعرفي والاجتماعي، فهو من يمتلك المعرفة التراكمية عن البيئة التي يعيش فيها، و لديه القدرة على قراءة السماء والنجوم لتحديد الاتجاهات والمواسم، كما لا ينافسه أحد في التمييز بين النباتات النافعة والضارة، وبفضل تجاربه التي راكمها قد يتنبأ بأحوال الطقس، إلى جانب أنه الأقدر على تحديد المخاطر وتجنب التهديدات، سواء كانت من الطبيعة أو من الأعداء، فهو باختصار الحريص الأول على بقاء الجماعة، وهو الذي يلعب دورًا محوريًا في الحفاظ على التقاليد وفض النزاعات، مما يمنح أفراد القبيلة الاستقرار والأمان النفسي، ويعزز تلاحم الجماعة..
ومع تطور المجتمعات عبر الأزمان لم تتلاشَ أهمية كبار السن، بل تكيفت واستمرت بأشكال مختلفة، واخترقت كل العصور إلى ان وصلت إلينا، وها نحن نشهد أن كبار السن مازالوا يحتفظون بمكانتهم المرموقة ويتربعون على عرش “القيادة” في العديد من الدول والأحزاب والمؤسسات، بل إن “كبور” عندنا – رغم كبر سنه- هو الوحيد الذي يتربع على عرش “النجومية” في الفن الساخر..!
وإذا كان “كبر السن” مرتبطا -منذ فجر التاريخ- بمفهوم المعرفة والحكمة والخبرة، فإن الأديان السماوية وكذا بعض الفلسفات الشرقية زادت “الشيخ” تقديرا وتكريما، إذ تعززت مكانة كبار السن وازداد “توقيرهم” وتبجيلهم، حيث يُعتبر احترام كبار السن واجبًا دينيًا وأخلاقيًا، ولا ريب ان تلك القيم قد رسخت المكانة الاجتماعية للشيوخ، وجعلت منهم رموزًا لا يمكن تجاوزها بسهولة، وهانحن في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، ونحن في القرن 21، مازلنا نرى صورة “القائد المسن” حاضرة بقوة في المشهد الحزبي والسياسي، رغم وجود شباب واعد وقادة مثقفين ومتعلمين..! ولم يستطع الوعي الجمعي تجاوز فكرة وجود القائد “الوالد” أو “المرشد” او “الأب الروحي” !!
لذلك فأينما وليت وجهك الآن قِبل المشرق او المغرب إلا وتجد من بلغ من الكبرعتيا يقود حزبا او جماعة او زاوية او حركة او دولة ملكية كانت ام جمهورية اسلامية ! ولا فرق عندنا بين حزب حداثي وبعثي، او بين شيعي وشيوعي، او بين علماني وإسلامي، فالكل في الأمر سواء، عربيا كان او كرديا تركيا ام فارسيا!
فوفقًا لتقرير المنتدى الاقتصادي العالمي نجد أن متوسط أعمار رؤساء دول عالمنا العربي والاسلامي حوالي 70 عامًا! ومنهم من قارب التسعين من العمر، وكذا الشأن بالنسبة للأحزاب العربية على امتداد العالم العربي، حيث مازالت بعض الأحزاب والجماعات والحركات تحتفظ بقياداتها “التاريخية” منذ التأسيس!
فماهو السبب الجوهري التي يجعل الأجيال الجديدة من الشباب متشبثة بالقيادات “القديمة” من الشياب في عالمنا العربي والاسلامي عامة وحزب المصباح خاصة ؟!
إنه الميل الغريزي إلى الاستقرار، ف”الناخبون” في الدول النامية، بغض النظر عن ألوان طيفهم الحزبي، غالبًا ما يربطون كِبر السن بـالخبرة، والاستقرار، والحكمة، أما في أوقات الأزمات- التي لا تنتهي- فيزداد الطلب على القادة الأكبر سنًا، إذ يرونهم أقل خطورة ومغامرة من الشباب، ففي حالات “المنعطفات” التي تمر منها الجماعة او الأمة تميل الجماهير عموما إلى الاختيار “الآمن”! فيستقر “اختيارهم” الغريزي على “القائد التاريخي” أو “المنقذ”، ففي “المنعطفات التاريخية العصيبة” تحتاج “الأمة” إلى “قائد تاريخي” مخضرم له “خبرة” واسعة تمكنه من تجاوز “المنعطف التاريخي” بأمان، وهو ما يفوت الفرصة على جيل كامل من “القيادات الشبابية”!
ولا بد من ملاحظة أنه تم اختيار الشخص/الشيخ بنكيران من بين “اشخاص” احدث سنا، ولم يكن الاختيار بين “البرامج” أو أولويات المرحلة!
أما كبورنا فقد عزف على الوتر نفسه، فإذا كان الفنان الساخر يلعب على التناقض لإثارة الضحك، فإن الاشتغال على شخصية الشيخ الوقور وتقديمه كشخص محتال او ماكر بعيدا عن “الحكمة” المفترضة يؤدي لخلق مواقف مضحكة، بل هاهو “با كبور” بشخصيته المرحة يقع في حب الفتاة فتيحة! مما جعله يستقطب اهتمام جمهور الشباب والشياب على حد سواء، وما زال خطه الدرامي يتطور، حتى يندمج مع سن حسن الفد! فيأخذ الشخصية الى أبعاد جديدة، فكبير السن قد يوجد في كل أسرة أوعائلة، والوعي الجمعي يختزن الكثير من التقدير والتوقير للشيباني، الذي لا تتلاشى أهميته مادام قادرا على المساهمة في وسطه ومجتمعه، وبالتأكيد سيكون أكثر جاذبية إذا كان يحمل بين جنبيه روحا مرحة..!
لاحظوا أن “كبور” هو الوحيد الذي خرج من أمام الكاميرا الى مواجهة الجمهور بشخصيته (كبور) وليس بشخصه (حسن الفد)، إذ خرجت الشخصية كما هي بطبيعتها و” كوستيمها” واعتلت خشبة المسرح في عرض حي أمام الجمهور ، الذي تفاعل معها بشكل مباشر، وهنالك حظي كبور بالترحيب الكبير من عموم الجماهير..
ولكن: ليس كل كبير في السن هو كبير في الشأن! فالقائد التاريخي حقا ليس من أتى به التاريخ! بل هو الذي ساهم في صناعة التاريخ بمواقفه التاريخية، واتخذ قرارات تاريخية لصالح الشعب فنقشت في وجدان الشعب، فالقائد العظيم الأصيل هو الذي يملك رؤية واضحة طموحة يسعى لتحقيقها لشعبه أو جماعته، ولديه القدرة على إلهام الآخرين وتحفيزهم لتبنيها مع العمل بكل طاقة لتحقيقها، كما يتحلى بالشجاعة اللازمة والجرأة على اتخاذ قرارات حاسمة -لمصلحة الشعب- في الظروف الصعبة، مع تحمل المسؤولية الكاملة عن نتائجها، إنه يستطيع بتواصله الجيد أن يُشعل شرارة الحماس في نفوس أفراد الحزب والشعب، ويجعلهم يرون الحلم المشترك، القابل للتحويل إلى واقع ملموس من خلال الطاقة الجماعية، ذلكم هو القائد الكبير!
أما الفنان الساخر الاصيل، فهو ذاك الذي لا يكتفي بالترفيه البحت اويحرص على إثارة الضحك للضحك دون تحميل أعماله أية رسائل اجتماعية! إذ يقدم الضحك كغاية بحد ذاته! فهمه الاكبر إمتاع الجمهور دون الانخراط في أي موقف أخلاقي أو اجتماعي، فهو بذلك في المستوى الأدنى! لأن الممثل الساخر الأصيل لا يكتفي بالإضحاك فقط، بل يستخدم الفكاهة كأداة فعالة لفتح العيون على المشاكل الحقيقية للمجتمع، من أجل تحفيز الوعي، وتشجيع التغيير المنشود. فالفنانون يصنفون، على اختلاف اساليبهم، بناءً على مستوى انخراطهم في قضايا مجتمعاتهم، وذلكم لعمري هو الفنان الكبير!
واخيرا: إن اخلاق القائد الكبير تفرض عليه ان يكون مقداما شجاعا، ويصدح عندما يصمت الجميع، فشجاعته تابى عليه ان يخدع شعبه، او يقبل بالهوان ولا يتردد في قول “لا” و”لايجوز” في وقتها المناسب، فيحظى بشهادة اعتراف وكلمة انصاف من عالم مقاصدي كبير، هكذا يدخل القادة الكبار أبواب التاريخ!
أما الفنان “العضوي” الكبير، فإنه يستخدم “نجوميته” وشهرته لصالح المجتمع، وذلك بدعم القضايا الانسانية والانخراط في الاعمال الاجتماعية، وتراه متعاونا مع المنظمات الدولية كسفير للنوايا الحسنة، ويستخدم السخرية كأداة قوية لكشف العيوب والمفارقات في المجتمع، بما فيها تناول القضايا السياسية والاجتماعية التي تهم الناس وتؤثر على حياتهم، فهذه هي أعلى المستويات التي يرتفع إليها الفنانون، فالفنان الكبير حقا هو ذاك الذي يثير الضحك والتفكير، ويساهم بفنه في التغيير، وعواشركم مبروكة ودمتم بألف خير




