رأي

وردني استفسار من قِبل بعض الإخوة في إبداء رأيي في صيام يوم عرفة الذي يصادف عندنا في المغرب يوم الجمعة.

فكتبت له على التو ما يلي تعميما للفائدة: القول الوسطي في هذه المسألة بقلم الشيخ الفقيه المقرئ عبد اللطيف بوعلام الصفريوي.

2025/6/5
ابتداء لا يفوتني ويفوتكم _ أيها الإخوة والأخوات _ صيام هذا اليوم الفضيل لقول رسُول الله ﷺ في شأنه العظيم: ” صِيامُ يَوْمُ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ “. الحديث رواهُ مُسلم، وقوله ﷺ أيضا: ” خَيْرُ دُعَاءِ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: (لا إله إلا الله وحده لا شريك لهُ، لهُ الملك ولهُ الحَمد وهُو عَلى كل شيءٍ قدِير). الحديث رواهُ التِّرمِذي.
وقد يثور الخلاف كما هو معهود حول ابتداء الصيام ويوم عرفة باختلاف المطالع، وبما أن يوم عرفة يُصادف هذه السنة بمغربنا الحبيب يوم الجمعة، وليس الخميس، باعتبار أن السبت 7 يونيو 2025 هو يوم عيد الأضحى، وصيام يوم العيدين حرام باتفاق العلماء لأنهما معمولان للفرح والأكل والشرب وزيارة الأسرة والأصدقاء وإدخال السرور على الفقراء،
وبالتالي يكون التاسع من ذي الحجة – حسب الرؤية المغربية – هو الجمعة 6 يونيو، فما المخرج إذاً من هذا الإشكال القديم الجديد!؟
لا يعزُب عن بالكم وخَلَدكم أن بعض الفقهاء ، _ وهم قِلة _ قد ذهبوا إلى أن صيام يوم عرفة يُراعى فيه التاريخ المحلي بحسب رؤية الهلال في كل بلد على حِدَةٍ، في حين رأى آخرون أن صيامَه يُرْبَط بيوم الوقوف بعرفة، أي: اليوم الذي يقف فيه الحُجَّاج بعرفات.
والرأي المرجَّح هو ما ذهب إليه جمهور العلماء من أن الصيام يكون موافقًا ليوم الوقوف بعرفة، لأنه هو المعني بهذا الفضل العظيم، ومنه جاءت تسميته؛ وبناءً على هذا، فإن الخميس:
5 يونيو 2025 هو يوم عرفة الحقيقي هذا العام.
والذي أراه هو الجمع ما بين الفَضْلَيْن صياما ليوم الخميس والجمعة لمن كان مواظبا على صيام النوافل والرغائب؛ ذلك أن إفراد يوم الجمعة دون سَبْقِهِ بيوم قبله أو زيادة يوم بعده مكروه باتفاقٍ عند أهل الضبط والثبت والآفاق،ولاسيما وأن شعيرة العيد في بلادنا ملغاة هذه السنة لنُسُك الذبح لا لإقامة شعيرة الصلاة بقرار من أمير المؤمنين حفظه الله وأيده وأطال في عمره وشافاه وعافاه، والذي أهاب بشعبه هذا العام بعدم القيام بها حفاظا على القطيع ورأفة بالفقراء لِما عرفته الماشية من غلاء ملحوظ طيلة هذه السنة، وقد لقي توجيهه هذا ارتياحا وصدى واسعا في جميع الأوساط.
فلنغتنم معاً صيام التاسع والعاشر من ذي الحجة دون البحث في تفاصيل المنع والقَبول، ذلك أن المخالفة هنا لا ترقى إلى ارتكاب الموبقات الموجبة للظى النيران… فمن أراد الصيام المكانِيَّ فله ذلك، ومن أراد الصيام الزماني، فله ذلك، ومن أراد الجمع بينهما فله ذلك دون لِجاج ومُماحَكة وحِجَاج وإثارة للخلاف وبث الفُرقة تعصبا للرأي وانتصارا للسُّنة المصطبغة بالرأفة والرحمة ورفع الحرج في عدم مخالفة الرسول عن أمره الموجب للاتباع والانصياع؛ ذلك أن الأحكام يُراعى فيها التيسير على الأمة لا التعسير وإدخال العامة في المناكفات والصراع المشيخي لفُلان وعَلان، فلا أحد قادر على الجزم بامتلاك الحقيقة كأنه نبي يوحَى إليه كما هو حاصل اليوم في وسائل التواصل الاجتماعي من ردود أغلبها مبنيّ على التعصب المذهبي تفعيلا لقاعدة: ” خَالِفْ لِتُعْرَفَ “… ذلك أن المسلمين في هذه الأوقات العصيبة بالضبط يمرون بلحظات حَرِجة وصعبة، والعويلمون المشهورون بصداعهم ورجرجاتهم بسِفْساف وجزئيات الفقه يتراشقون، فيكفِّرون ويزندقون حتى الذي أطال سرواله ” مَا فَوْقَ الْكَعْبِ فِي النٌَارِ ” مُدخِلينه ومصادقين على وُلُوجها لا محالة ناهيكم عن الذين لا يطيلون لِحاهم بقبضة ونصف أو يزيدون، ففي اللظى يُنْزَعون ويصطرخون، وهلم جرا من الأحكام الجاهزة، ولذلك تراهم يثيرون القلاقل في كل مناسبة قصد إلهاء تُبّاعهم عن الأمور العِظام والجِسام فهما ونصرة لدين الإسلام.. ومُخوفينهم بقول الله تعالى من مغبة مخالفة الرسول لدى قوله بسورة النور: ” فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (63) “. والمعنى يصب في مخالفةأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخروج عنه. حيث لا يبالون بما يقوله لهم من أن تصيبهم فتنة في قلوبهم من الشك والريبة أو يصيبهم عذاب أليم، والفتنة المقصود بها: فتنة قلوبهم في ما يجب اليقين فيه أو الشهوة في ما يُحرم تناوله، ولهذا قال الإمام أحمد – رحمه الله -:
” أتدري ما الفتنة؟! يعني في قوله تعالى: ( أن تصيبهم فتنة )، الفتنة: الشِّرْكُ، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فَيُهْلَكَ ” ، والعياذ بالله.
ومن أراد المزيد من التعمق في الآية، فليراجع كتب التفسير لتَشفِي غليله فَتُغنيه. إذ الآية لا علاقة لها بالمخالفة في الصيام وأوقات الحج بحسب المطالع، والله تعالى أعلم بالصواب.
والسلام ./.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى