
1-القضية الفلسطينية بين الديني والسياسي
يَعتبر “الإسلاميون” قضية فلسطين قضية عقدية؛ وإذا كان جميع المسلمين كذلك، فإن الحركات والأحزاب الإسلامية تتميز عن عامتهم -وكثير من خاصتهم- بتسييس هذه العقيدة، أي بجعلها ممارسة سياسية وخطابا سياسيا، وأكثر من ذلك باتخاذها ركنا أساسيا في العقيدة السياسية الحركية. المداخل إلى هذا الاتخاذ عديدة، وقد اهتم عدد من رموز الحركة الإسلامية بتحديدها، كما فعل سيد قطب في كتاب “معركتنا مع اليهود” أو يوسف القرضاوي في كتاب “القدس قضية كل مسلم” أو المقرئ الإدريسي أبو زيد في كتاب “أفهم القضية الفلسطينية كي يكون لي موقف”، خاصة عندما ربط هذا الأخير بين “الوعي بالقضية” و”الرؤية القرآنية”.
الحكم على هذا التناول العقدي يتم في بعدين: في البعد التاريخي والمعرفي، ثم في البعد السياسي والميداني. في البعد الأول نجيب على سؤالين: هل فلسطين قضية عقيدة؟ وهل اعتبارها قضية عقدية ينفي عنها قابليتها للتأريخ والتفسير التاريخي؟ أما في البعد الثاني، فنجيب على سؤال: في أي سياق يحضر خطاب “فلسطين”؟ وأي غرض يؤديه لمصلحة هذا الطرف أو ذاك؟ وفي ذات الإطار وانطلاقا منه سنجيب على سؤال خاص هو: كيف يستحضر عبد الإله بنكيران القضية الفلسطينية في خطابه السياسي؟ وكيف يستثمر هذا الخطاب في خضم معاركه السياسية ورهاناته الحزبية أو الانتخابية؟
في خطاب عبد الإله بنكيران حول فلسطين تحضر عدة معانٍ دينية (إسلامية)، من قبيل: “الأخوة”، “النصرة”، “الأمة”، “عدم الجواز الشرعي”، “القدس”، “الجهاد”، “الاستشهاد”، الخ. يستحضرها بنكيران كإيمان، يدفعه إليها وازعه العقدي، بما هي جزء من تدينه وتصوره الشمولي للمسألة الدينية. فهل تبقى كذلك عندما تصبح سياسة؟ هل تحافظ على “براءتها الأصلية” في سياق تناقضات سياسية داخلية، وفي سياق واقع جيوسياسي معقّد في الخارج؟ لا تنفي هذه الأسئلة “وجدان” عبد الإله بنكيران في قضية يتعبرها إسلامية، لكنها تحاول تفسير استحضارها وكشف مؤداها السياسي الذي لا يشترط وعي الفاعل لحصوله.
يحضر في خطاب بنكيران مصطلح “الإخوان”، كما في قوله “إخواننا في غزة غيروا وضع القضية الفلسطينية، وأنا أعتبرهم انتصروا من أول يوم، وكل يوم يصمدون فيه هو معجزة بالنسبة لي، ولهذا فنحن نعتذر لإخواننا بغزة ونتوجه لله ألا يتخلى عنهم”. (عبد الإله بنكيران، كلمة له في فعالية “بحث الإنسانية عن المعنى وإمكانيات المسلمين”، جمعية “يدي هلال YediHilal”، تركيا، 2024)؛ يحضر مصطلح “الإخوان” هنا بمعنيين: بمعنى إسلامي عام، وبمعنى إيديولوجي -أقول إيديولوجي لا تنظيمي- خاص. وذلك لأن معنى “الأخوة” يتحقق في معرض الكلام عموما بما تقتضيه نصرة شعب، وخصوصا بما يقتضيه القول بانتصار “جماعة”.
وبخصوص “النصرة” فهي لم تفارق خطاب عبد الإله بنكيران منذ أول كلمة قالها بعد “7 أكتوبر 2023″؛ فحزبه-كما يقول-“لا يبيع بالقضية الفلسطينية ولا يشتري، وهي تجري في دمائنا، ولو كان من الممكن أن نساهم بدمائنا لساهمنا بها”. (عبد الإله بنكيران، كلمة بمؤتمر تضامني نظمه حزب العدالة والتنمية بالدار البيضاء، 26 أكتوبر 2024). الحوائل الواقعية والسياسية لا تعفي من حفظ الاستعداد ولا تنفي وجوده، كما أن استحالة هذا الاستعداد خطابا سياسيا أقل مشقة وأقرب إلى رفع الحرج “السيكولوجي الجماعي” في واقع لا يسمح باستحالته فعلا ميدانيا أكثر من احتجاج محدود بحدود الحاجة الوطنية إليه. إنه تصريف للاستعداد في اتجاه “النصرة المنظمة والمحدودة” من جهة، وفي اتجاه “التعبير عن مطلب سياسي اجتماعي بما يضمن بقاءه في حدود معينة” وكذا “حفظ مصلحة سياسية باستمرار النصرة مجتمعيا” من جهة أخرى. ثلاثة عناوين لخطاب واحد: تصريف عقدي سيكولوجي، نصرة محدودة، ممارسة سياسية ذات مؤدى داخلي (طرف من الأطراف).
ترتبط القضية الفلسطينية أيضا، في وجدان ووعي بنكيران، بـ”مفهوم الأمة”؛ ولذلك فإن ما يقع في فلسطين يؤثر على عموم “الأمة”، بما في ذلك “عملية طوفان الأقصى”، إذ أن “الذي وقع يوم السابع من أكتوبر، حتى وإن شابته أشياء، فإنه بالنسبة للأمة إحياء، وهو أمل، وهو تجديد للروح وللإيمان، وهو دليل على أن المستقبل لن يكون في جميع الأحوال مثل الماضي، وأن إسرائيل لن تتمكن بعد اليوم أن تقول بأنها جيش لا يقهر” (عبد الإله بنكيران، كلمة مسجلة، بتاريخ 12 أكتوبر 2023). الأمة أكبر من وجدان خاص، الأمة عمل وممارسة، نظام اجتماعي وسياسي وثقافي. “الأمة” مشروع تاريخي أكبر من فعل طارئ، مشروع جمعي أكبر من قرار فئة من فئاتها. فهل لاستحضارها كوجدان من نجاعة؟ نجاعة حضارية تحفظ الوجدان الوحدوي، ونجاعة سياسية تجعل من “الوجدان” عاملا من عوامل الممارسة السياسية المطلوبة في هذا البلد أو ذاك.
إن القضية الفلسطينية في فهم عبد الإله بنكيران قضية “جهاد” أيضا، يجب على كل مسلم بذل الجهد والقدرة في الدفاع عنها. وما كانت لتكون كذلك لو لم تحز قداسة في تفكير بنكيران؛ وفي هذا الإطار يأتي قوله: “الخونة الذين يأخذون منكم الأموال ويقعون في الفساد، هم الذين يقبلون بالتطبيع، أما الشعوب فلا تقبل به، ولولا أن الحدود مغلقة لذهبنا إلى أرض الجهاد” (عبد الإله بنكيران، كلمة في مهرجان خطابي فاتح ماي 2022، الدار البيضاء). وهذا شبيه ب”تمرد خطابي سيكولوجي” على واقع الدولة “الحديثة” في الوطن العربي، وهو ما يعتبره الإسلاميون تقويضا لغاية “الأمة”. استدعاء خطاب “الجهاد”، والحالة هذه، يحمل بين طياته عدة معانٍ من أبرزها: “تنفيس الكربة السياسية والإيديولوجية” على فئات وتيارات مجتمعية واسعة، التعويض الخطابي عن حدود إيديولوجية في الوعي والممارسة، إنتاج قابلية إيديولوجية لفعل سياسي بأهداف وطنية قريبة. أما حضاريا، فكم من خطاب يخبو سياسيا (على المدى القريب)، دون أن يخبوَ حضاريا (على المدى البعيد للعمل العربي والإسلامي)؛ ويعمل الخطاب على حفظ البعيد في القريب، المعنى الحضاري في القول السياسي.
وغير بعيد من “مفهوم الجهاد”، تحضر “الشهادة” كقيمة إسلامية بما هي “قضاء في ساحة جهاد”، وكقيمة إنسانية تحررية بما هي “دفاع عن الحق في التحرر الوطني”. وهذا ما أكدته تهنئة بنكيران لحركة “حماس” بعد اغتيال رئيسها يحيى السنوار، الأمر الذي اعتبره بنكيران “نيلا للشهادة في ميدان الجهاد”، حيث قضى السنوار نحبه مقاتلا “ببسالة وشجاعة في الصفوف الأمامية ضد جيش الاحتلال الصهيوني”، فـ”نال الشهادة التي كان يتمناها، وهو يدافع عن قضيته وعن حق شعبه في التحرر” (عبد الإله بنكيران، رسالة تعزيز إلى الخليل الحية (حماس)، أكتوبر 2024). وليس هذا الاستحضار بجديد على خطاب عبد الإله بنكيران، وإنما هو جزء من عقيدته السياسية وما تتيحه من إمكان “للشهادة بالموت على الأحياء”؛ غير أن هذا الإمكان في أرض فلسطين يستحيل إمكانا آخر في بلدان أخرى، وهو إمكان “الشهادة بالحياة على الأحياء”، أي بالممارسة السياسية في بعديها الحضاري (الاستراتيجي البعيد الذي هو ذو معنى عالمي) والسياسي (التكتيكي الذي هو ذو معنى حزبي وانتخابي وتدافعي في خصوصية سياسية بعينها/ والاستراتيجي القريب الذي هو ذو معنى وطني مرتبط بالمصالح الاستراتيجية للمغرب).
خلاصة، نقول: تحضر القضية الفلسطينية في خطاب عبد الإله بنكيران بثلاثة معانٍ: بمعناها العقدي، ومعناها الحضاري، ومعناها السياسي. فبإهمال معناها العقدي في خطاب بنكيران، يكون الباحث قد أهمل دافعها الإيديولوجي والوجداني في وعي الإسلاميين (ومنهم عبد الإله بنكيران). وبإهمال معناها الحضاري، يكون الباحث قد أهمل دور الخطاب السياسي في استدامة المعنى الحضاري شعوريا وحفظه لمستقبل الوحدة العربية والإسلامية واستراتيجية الإسلام عالميا. أما بإهمال معناها السياسي، فإن الباحث يكون قد أهمل مؤداها التاريخي والسياسي القريب والذي تؤكده الممارسة السياسية وتغيراتها وتحويلاتها. وبعد أن تكون السياسة (بما هي انعكاس لتغيرات وتحولات أعمق/ اجتماعية) قد فعلت فعلتها من التبدل في الزمن والمكان، يركب المعنى العقدي/ الحضاري سفنا أخرى من الواقع السياسي الجديد.
(يتبع)




