رأي

نحر المعنى

ذة. إيمان البياري باحثة في التواصل السياسي والاجتماعي دكتورة في القانون الخاص

منذ سنوات ونحن نردد شعار ” النموذج المغربي المتفرد في كل شيء ” في الاقتصاد والسياسة والدين.. الحق الذي يراد به باطل.. فلا شك أن لكل مجتمع ما يميزه عن غيره وهو أمر محمود بل مطلوب، لكن حين نتخذ من هذا الوصف ذريعة تعمينا عن مواجهة التحولات الجذرية التي يعرفها مجتمعنا ونسترها بدعوى الخصوصية والانفتاح فإنه أمر غير مقبول.
وفي هذا السياق، فإن تعاملنا هذه السنة مع عيد الأضحى كان أيضا متفردا، فبعد أن أهاب جلالة الملك بشعبه إلى عدم القيام بشعيرة أضحية العيد لهذه السنة نظرًا لما تعرفه البلاد من تحديات مناخية واقتصادية، وذلك من باب ما تقتضيه المصلحة ورفع الحرج، مؤكدا على ما يصاحب إحياء هذه الشعيرة من ممارسات دينية أخرى لا تقل أهمية عن الأضحية كصلاة العيد والتقرب إلى الله بالصدقات وصلة الرحم. وبالفعل امتنع عدد كبير من المغاربة عن إقامة شعيرة أضحية العيد، لكن بطريقتهم الخاصة حيث تهافتوا أياما قبل العيد على شراء وذبح الأكباش، وضاقت المجازر الكبرى بالأعداد المتزايدة من الذبائح وعجز بعضها عن تلبية الطلب على شراء الكبد والسقط مما سبب ارتفاع غير مسبوق في أسعارها.
فهل الذبح قبل يوم النحر يعد إقامة لشعائر الله؟ وهل التهافت على تخزين السقط والكبد واللحوم بأنواعها من السنة؟
والسؤال الأهم هو: هل يعرف المغاربة جوهر العبادات والقربات أم أنها تحولت وفقًا للنموذج المغربي المتفرد في كل شيء إلى ممارسات استهلاكية وصور تُعرض على وسائل التواصل الاجتماعي؟
ولم يتوقف الأمر عند ممارسات عامة الناس، فقد تزامن هذا الحدث مع استعدادات الأحزاب السياسية لاستحقاقات 2026، لذلك فقد انبرت حناجر سياسيين كاد المغاربة أن ينسوا وجودهم داخل المشهد السياسي ليتنافسوا في إصدار الأحكام والفتوى وتوزيع التهم، وإذا كانت تصريحاتهم هي في إطار نشر الوعي فقد كان من باب أولى أن تظهر نواياهم هذه من خلال جهود حقيقية على أرض الواقع من موقعهم كفاعلين سياسيين. ذلك أن نشر الوعي هو فعل تراكمي تشتغل عليه الأمم والدول لعقود وعقود وتتشارك فيه مختلف المؤسسات والمكونات، ويستثمر فيه المخزون القيمي والعقائدي لكي يعطي نتائج تظهر في مثل هذه المواقف. وحين يختل التوازن وتنفصل الممارسة عن القيمة فهي إشارات لابد من الوقوف عندها لدراسة أسباب هذه التحولات ومآلاتها بعيدا عن الإدانة والتبخيس أو حتى التستر والتبجيل، فالكل مسؤول من موقعه.
يشكل هذا الحدث فرصة مهمة لتسليط الضوء على ما يعرفه المجتمع المغربي من تحولات جذرية في تعامله مع الشعائر الدينية وتفريغها من جوهرها الروحي والعقائدي، فضلًا عن التحول الخطير في نمط الاستهلاك. والمتمعن في الممارسات الاستهلاكية في الأعياد وشهر رمضان في السنوات الأخيرة يلاحظ بلا جهد أن هناك تعاملا غير سوي مع فكرة الفقد أو المنع عن طريق إقبال غير معقلن على الشراء. فيتحقق من هذه الشعائر خلاف مقاصدها وغاياتها الأساسية المرتبطة بتهذيب النفس وتأديبها متى ما تم فصلها عن معانيها الحقيقية وحصرها في تمظهرات جوفاء.
لابد لنا إذن من تغيير الصورة الذهنية لعيد الأضحى والتي تلخصه في حفل شواء تصاحبه أصوات موسيقى الطرب الأندلسي، وأن نذكر أنفسنا بأننا أمام شعيرة من شعائر الله وأن تعظيمها هو من باب التقوى فلا يكون إلا بما يرضي الله عز وجل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى