مقال يجلي المقولة المتداولة عند الناس: ” الْمُؤْمِنُ مُصَابٌ “
بقلم الفقيه الشيخ عبد اللطيف بوعلام الصفريوي.

ابتداء هذه المقولة تُقال إمَّا بغرض المواساة، وإمَّا بهدف التَّشَفِّي وزيادة المعاناة.
والحقيقة أنَّ الابتلاء سُنَّةٌ ربانية جعله الله امتحانا لاختبار الصادقين في إيمانهم، والكاذبين في سرائرهم.
قال تعالى بسورة العنكبوت مُؤَكِّداً لهذه الحقيقة بجلاء ووضوح لا يدع مجالا للتفسير المَِزَاجِيِّ الانزِيَاحِيِّ:
﴿أَلَمِّ (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُّتْرَكُواْ أَنْ يَّقُولُواْ ءَامَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3)﴾
إذاً، فكلنا مُعَرَّضُونَ للفِتَن لا محالة، وكلنا سنـُخْتَبرُ؟ أَنَرْضَى بقضاء الله وقَدَرِهِ أم نكفر؟
وأشد الناس ابتلاء هم الأنبياء والرسل، ثم الذين يلونهم في درجات الإيمان والتسليم والرضا بما قسمه وقدره صاحب الملكوت رب الخلائق جميعا.
قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم : ” أَشَدُّ النّاسِ بَلاَءً الأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الصَّالِحُونَ، ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ “، فالابتلاء يُبْتلى به الأحباب ليُمَحِّصَهُمْ، ويرفع درجاتهم، وليكونوا أسوة لغيرهم لِيَقْتَدُوا بهم؛ ذلك أن حُكْمَ العزيز المقتدر نَافِذٌ في كتاب مرقوم وفي اللوح محفوظ موسوم.
وبالحديث:
(مَا يَزَالُ الْبلاَءُ بِالْمُؤْمِنِ وَالْمُؤْمِنَةِ فِي نَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَمَالِهِ حَتَّى يَلْقَى اللهَ تَعَالَى وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ).
قال ابن القيم رحمه الله وأجزل له الثواب كلاما نفيسا بهذا الباب:
” وَمِنْ رَحْمَتِهِ أَنْ نَغَّصَ عَلَيْهِمْ الدُّنْيَا وَكَدَرَهَا لِئَلاَّ يَسْكُنُوا إِلَيْهَا، وَلاَ يَطْمَئِنُّوا إِلَيْهَا، وَيَرْغَبُوا فِي النَّعِيمِ الْمُقِيمِ فِي دَارِهِ وَجِوَارِهِ فَسَاقَهُمْ إِلَى ذَلِكَ بِسِيَّاطِ الاِبْتِلاَءِ، فَمَنَعَهُمْ لِيُعْطِيَهُمْ، وَابْتَلاَهُمْ لِيُعَافِيَهُمْ، وَأَمَاتَهُمْ لِيُحْيِيَهُمْ “.
وعَنْ أنس -رضي الله عنه- أن رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم – قال: “إِنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلاَءِ، وَإِنَّ اللهَ – عز وجل – إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلاَهُمْ؛ فَمَنْ رَضِيَ، فَلَهُ الرِّضَى، وَمَنْ سَخِط، فَلَهُ السُّخْطُ” الحديث حسنه الألباني (1510).
والمعنى الإجمالي للحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أمته بأن عظمة الأجر وكثرة الثواب مع عِظَمِ الابتلاء والامتحان الذي يجري على العبد في هذه الدنيا إذا صبر واحتسب، وأن من علامة محبة الله لعبده أن يبتليه؛ فإن رضي بقضاء الله وقدَرِه عليه، واحتسب الأجر والثواب، وأحسن الظن بربه رضي الله عنه وأثابه، وإن تسخّط قضاء الله وَجَزِع لِمَا أصابه سَخِطَ الله عليه.
إذا؛ فكيف نـُحَصِّنُ أنفسنا من تخفيف قدر الله غير المُطَاقِ فرارا إلى قضائه الْمُلَطّفِ؟ وكيف نستعد لهذا الموقف؟!!
الجواب يكمن في تلاوة القرآن بتدبر، وإقامة الصلاة على حقيقتها ليس أداؤها كنقر الديَكَة مع ذكر الله على كل الأحايين مستشعرين مراقبة الله جل وعلا لنا في كل صغيرة، فبالأحرى الكبيرة، وقد ضُمِّنَتْ هذه المعاني كلها في قوله عز وجل بسورة العنكبوت:
﴿اُتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ، إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ، وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ، وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (45) ﴾.
أضيفوا إلى ذلك الإكثار من الدعاء لأن الدعاء يرد القدر مصداقا لقول النبي صلَّى الله عليه وسلم:
” لَا يَزِيدُ فِي الْعُمْرِ إِلَّا الْبِرُّ، وَلَا يَرُدُّ الْقَدَرَ إِلَّا الدُّعَاءُ، والرَّجُلَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِخَطِيئَةٍ يَعْمَلُهَا”.
ذلك أن كل شيء بأمر الله وإذنه، فإذا أراد سبحانه وتعالى تغيير قَدَرٍ، فإنه جل وعلا يدفعه بقَدَرٍ آخر مُقَرَّراً ذلك في قوله تعالى بمحكم كتابه في سورة الرعد: ” يَمْحُواْ اللهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ(وَيُثَبِّتُ)، وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ(39)”.
فنعوذ بالله من الفِتَنِ ما ظهر منها وما بطن ضارعين لِمُقَلِّبِ القلوب وكاشف الكروب أن يثبت أفئدتنا على دينه. إذ الرحمن الرحيم
لا يبتلي المؤمن ليُحْزِنَهُ، ولا لِيَقْسُوَ عليه، ولا لِيَنْزَعَ عنه الفرح… بل يبتليه ليسجد، ويقترب، فيتذكره ليعود إليه.. فكأنه سبحانه وتعالى يناديه بصوت رقيق خفي اشتياقا، وهو يقول له: ” لقد طال غيابك عني فهلمّ إليّ “. فما ابتلاك إلا لأنك تحت رعايته، وما ضيّق عليك إلا ليُوَسِّعَ صدرك بمعرفته، وما أوجعك إلا لِيُطَهِّرَكَ من شوائب الدنيا، ويطهّر قلبك مما سواه بعدما جرفتك الحياة الدنيا بزهرتها ومباهجها، فَنَسِيتَ تَذَكُّرَ المُنْعِمِ المتفضل عليك حتى اشتد عليك البلاء، فردّك إلى سكينة الركوع، وإلى دمعة الخشوع، وإلى ذُلِّ السجود، وإلى أمان القُرْبِ مِن خالقك ورازقك.
فتأمّلوا معي أنه لَوْ لَمْ يُصَبْ أيوب بالمرض، كيف كنا سنعرف صَبْرَهُ؟ بشهادة ربه له: ” إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً “.
ولو لم يُلقَ يوسف في الْجُبِّ، كيف كنا سنشهد جمال نجاته ورزانة مُلْكِه وحُكْمِهِ؟
ولو لم يُحزن يعقوب، كيف كنا سنرى بياض قلبه لا عينيه؟
فالبلاء امتحان، لكنه أيضًا تطهير، ورَفْعٌ للدرجات، وَقُرْبٌ لا يُقاس بثمن.
نكتفي بهذا القدر الذي أظن أنني قد استوفيت بعضا من جوانبه مواساة لكل مبتلًى بأن الله لو لم يُحِبُّه ما ابتلاه ليذَكِّرَهُ بغفلته عنه؛ ذلك وأن في كل أَلَمٍ حكمة، وفي كل وَجَعٍ دعوة، وفي كل دمعةٍ طريق يُعَبِّدُهُ الله نحو رحمته… لأنّ البلاء لا يعني أنك مَنْسِيٌّ… بل يعني أنك مُخْتَارٌ من قِبَلِ ربك ليجعلك قريبا منه.
وبالرغم مما سُقْتُهُ من أدلة شرعية تُؤَصِّلٌ للحكمة من وراء الابتلاء، فإن العديد مريض بالتشكي على الناس مما وقع له من مكروه أو سوء دون أن يسألوه كأنه يلوم ربه على ما حدث له مُبْدِيا استقامته وورعه الذي لا يُقَاسُ قيد أنملة بعُلُوِّ كَعْبِ الأنبياء والرسل بإمامهم محمد صلى الله عليه وسلم، ومقارنا نفسه بالعصاة والأجانب والخيرات المغدقة عليهم سُقُفاً وَمَعَارِجَ عليها يظهرون، إذ ” لو كانت الدنيا تساوي عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شَربة أو جُرعة ماء “.
هذا ولا يمنع المسلم أن يَشْكُوَ بَثَّه وحُزْنَهُ لأخيه المؤمن ليُوَاسِيهِ ويُثَبِّتَهُ غير مكثر ومتأفف من ذلك لأن الشكوى في حقيقتها تكون لله.
قال الإمام عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه:
” مَنْ شَكَا الْحَاجَةَ إِلَى مُؤْمِنٍ فَكَأَنَّهُ شَكَاهَا إِلَى اللهِ، وَمَنْ شَكَاهَا إِلَى كَافِرٍ فَكَأَنَّمَا شَكَا اللهَ “.
من كِتاب نهج البلاغة. وبه تمام هذا المقال والسلام./.




