رأي

الحاكمية عند الدكتور يوسف حميتو (3)

بقلم الدكتور احمد كافي

 النقد لله:
ـــــــــــــ
إن الحركة الإسلامية لا تأنف من النقد، وليست هي فوقه. والذي علم المسلمين منذ القرن الفائت النقد الملجم بلجام العلم هي الحركة الإسلامية. لأنها أيقنت أن النقد به استمرار الحياة وتصويبها وتسديدها، والذين يختبأون وراء أمراض نفوسهم تحت غطاء النقد من أمثال يوسف، عليهم أن يعلموا أن الحركة الإسلامية هي التي علمتكم النقد، لكنها لم تعلمكم النزق والطيش والغدر.
إن هؤلاء المرضى في نفوسهم، يعبرون عن الحقد باسم النقد، وينطلقون من الارتزاق باسم النقد، ومن الكذب والفجور فيه باسم النقد. ويقيني أن الدكتور حميتو لا علاقة لما قرأه من ورقاته بالنقد، وإنما قرأ ورقات للتعبير عن حقده وكذبه الذي يتوسل به للارتزاق. والناس لا يخفى عليهم النقد، كما لا يخفى عليهم الحقد والفجور وحزازات النفوس.
لقد انتقد الدكتور الريسوني الحركة الإسلامية بقوة، وانتقدها الدكتور فريد الأنصاري رحمه الله تعالى بحدة…ووافقهما أناس، واختلف معهما آخرون…ولكن المختلفين والمتفقين مجمعون على أن الرجلين ينتقدان وينصحان ويحدبان على الإسلام وأهله، فقبلوا ذلك منهم، ودعوا الله تعالى لهم. والمدعو يوسف حميتو يعتقد أنه سيتسغفلنا بقلة بضاعته، وفساد مسلكه…هيهات هيهات، إن النقد معروف، والتملق وتقديم الخدمات السوداء معروفة ومعروف أهلها. ثم متى كانت لكم يد بيضاء حتى نستمع لك!!
السفلة:
ــــــــــــــ
هم في كل مكان، ولكن أسوأهم المنتسبون للعلم الشرعي. قال ابن أبي أويس: قال مالك: أقبل علي ذات يوم ربيعة فقال لي: من السفلة يا مالك؟ قلت: الذي يأكل بدينه.
قال لي: فمن سفلة السفلة؟ قلت الذي يأكل غيره بدينه.
فقال: زه وصدرني(ترتيب المدارك وتقريب المسالك: 1/ص147).
الحاكمية والدكتور عبد النور بزا:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قام أخي الدكتور عبد النور بزا بتحليل وتفكيك مصطلح الحاكمية، وهو من الناحية العلمية فوقك بمراحل وأشواط لا تدركها، لأنه مشغول بالبحث العلمي، وانت مشغول بالرز الإماراتي. فتتبع حفظه الله تعالى المصطلح وجذوره ومفهومه وأصوله…ولقد عرض للحاكمية باحترام تام للقواعد الشرعية، ولم يتجاوز ميزان الاعتدال في البحث. ثم عُرص بحثه على العقول الراجحات، فاختلفت معه في بعض الجزئيات، واتفقت معه في أخرى، ولكنهم قرروا جميعا أن بحثه يتسم بالجودة والجدة والسلامة العلمية، فقرروا نشر بحثه عن الحاكمية حتى ينتفع المسلمون به، وكان هو أول بحث نشر في موسوعة المصطلحات الإسلامية. وكذلك كان.
الدعاوى العريضة:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لقد بدأ حميتو في التقدمة لما قرأه على الناس بالقول:” عند مراجعة التراث السياسي الإسلامي، نجد غياب مصطلح الحاكمية بصيغته المعاصرة في أدبيات القرن العشرين وما بعده”.
هكذا قال يوسف، وأفهمنا وهو يجحظ عينيه في المستمعين بأنه راجع جميع التراث الإسلامي، وكانت نتيجة مراجعته الكلية له، أن الحاكمية بصيغتها المعاصرة منعدمة غير موجودة البتة.
أ ـ من أين استمد يوسف عضو الهيئة التدريسية بجامعة زايد هذه الجراءة، وهذا التقول. إن غابت الموضوعية، فأين هو الحياء وأنت تعلم أن المهتمين من علماء وطلبة وباحثين قد يستعمون لك.
إننا نعلم طلبة الإجازة، وندربهم في بداية البحث أن إذا تكلموا عن تراث الأمة أن يبتعدوا عن القطع في القضايا، ويتجنبوا الادعاءات التي تنسف بمجرد النطق بها. إننا نعلم طلبتنا أن إذا تكلموا أن يكون كلامهم بالتنسيب لا بالإطلاق والتعميم. نعم، نسمح لهم بأن يتكلموا بالتغليب في بعض القضايا المشتهر حكمها أو الرأي فيها، ولهم أن يركضوا في مجال الترجيح فإنه يسعهم.
لكن يوسف أنسته الهرولة لإرضاء من يهمه أمرهم عنده، لأنني على يقين من هاتف نفسي أنه يتوجه بكلامه إليهم، ولا يعنيه أي مستمع له، ويقدم أوراق اعتماده إليهم. فأنسته هذه الهرولة أوليات البحث العلمي، فأصبح يتكلم إيديولوجيا لا أكاديميا يحترم العلم ومحراب العلم.
وحسبي به أنه كان ينأى بنفسه أيام كان طالبا وإلى أن أصبح أستاذا عن السياسة، ويرفض الخوض فيها، ولربما ادعى أنها ليست منه ولا هو منها، ولا هو ميسر خلقه لها. فما باله يخرج اليوم علينا مصرا على ارتداء جبة السياسة والسياسيين، يحدثنا عمن خاضها من أصحاب كتب السياسة الشرعية، ويعلمنا أن اعتكف على جميعها، وأن من هؤلاء الماوردي والجويني ومن دونهما ومن فوقهما…وها هو يعرض علينا كلامه في السياسة ومسائلها…فليكن ما شاء له. لكن لا نستسمحه في التعرض لما عرضه بنقده ونقضه، ولتتسع جبته السياسية اليوم أن ننقض عليه فطير أفكاره، ونذاكره في افتراءاته.
ولو كان ما يعرضه وجهة نظر، لخاطبناه بوجهة نظر تقابلها، تتفق معه أو نختلف، يقول ونقول، وجميعنا في دائرة القول. وإنما نحدثه إذ يفتري افتراء غير مسبوق إليه.
الافتراء الأول: أنه قام باستقراء كتب السياسة الشرعية. واه من كذبة بلقاء صلعاء.
الافتراء الثاني: غياب مصطلح الحاكمية عند أعلام هذه الأمة الذين يتحكك بهم اليوم.


الحاكمية:
ــــــــــــــــ
هي عند جميع علماء الإسلام تعني الجواب عن سؤال: من هو الحاكم؟ ومن الذي ندين الله تعالى بحكمه فينا، ونُحَكم أحكامه في حياتنا؟
هذا هو معنى الحاكمية بشكل بسيط وعميق وواضح.
ولم يختلف سيد قطب ولا المودودي ولا الماوردي ولا الجويني في مفهوم الحاكمية هذه. وإنما النزاع الذي نشب بين أهل العلم مع سيد قطب وقبله المودودي الذي نحت في هذا المصطلح نحتا، هو: هل الحاكمية بما هي تحكيم أحكام الدين من باب السياسة الشرعية، أي من باب الفروع؟ أم هي من باب الاعتقاد؟
هذا هو النزاع بين الناس مع الشهيد سيد ومع المودودي رحمها الله تعالى. لم يختلف العلماء معهما في وجوب الحاكمية، وأنها من الدين. وإنما تصنيفها في الفروع أو في الاعتقاد هو مناط الخلاف معهما. ومن ذيول هذا الخلاف نشأ التكفير بإطلاق بحسب تصنيف الحاكمية في المعتقد.
لكن مفهوم الحاكمية شيء، وتصنيفها وترتيب الأحكام على التصنيف شيء آخر.
هل في التراث اهتمام بالحاكمية:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نعم، إن الحاكمية موضوع أصيل في تراثنا الإسلامي، وإن افترى علينا اليوم يوسف غير الصديق مع شريعة الإسلام. أو اعتقد أنه سيروج عليها مكره بتزوير الكلام.
أصول الفقه الإسلامي:
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
إن جميع كتب أصول الفقه لتتحدث من أوائل حديثها عن الأحكام الشرعية، وتتكلم عن الثلاثية المشهورة: الحاكم، والمحكوم عليه، والمحكوم فيه. وتتطرح كتب الشريعة هذه سؤالا وتجيب عنه، وهو: من هو الحاكم؟
والعقيدة التي استقرت ثابتة راسخة عند جميع علماء الإسلام، أن الحاكم هو الله عز وجل، وأن الحكم لله عز وجل، لا للناس. والناس إنما يأخذون أحكامهم منه عز وجل، إما بالنص والقطع منه عز وجل، وإما بإعمال القواعد الشرعية في التماس هذا الحكم بالاجتهاد. ولا أعلم منازعا في هذه الحاكمية بحمد الله تعالى.
تأكيد الحاكمية عند علماء الأمة:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لقد جرأني على القول بانعدام المخالف قطعيات النصوص الشرعية أولا، وكلام هؤلاء الأئمة ثانيا، والذين صرحوا بالإجماع على هذه الحاكمية، وتواتر كلامهم حولها كما سيأتي معنا، والقواعد الشرعية ثالثا.
أولا: كلام العلماء
ــــــــــــــــــــــــــــــ
* يقول الغزالي(ت505هـ):” أما استحقاق نفوذ الحكم فليس إلا لمن له الخلق والأمر، فإنما النافذ حكم المالك على مملوكه، لا مالك إلا الخالق، فلا حكم ولا أمر إلا له. أما النبي صلى الله عليه وسلم؛ والسلطان؛ والسيد؛ والأب؛ والزوج، فإذا أمروا وأوجبوا لم يجب شيء بإيجابهم بل بإيجاب الله تعالى طاعتهم، ولولا ذلك لكان كل مخلوق أوجب على غيره شيئا كان للموجب عليه أن يقلب عليه الإيجاب، إذ ليس أحدهما أولى من الآخر. فإذا الواجب طاعة الله تعالى وطاعة من أوجب الله تعالى طاعته”( المستصفى: ص66).
فها أنت ترى أن السلطان الذي يرتعب يوسف منه، ويسعى في إرضائه، قد قرر حجة الإسلام أن لا نفوذ لشيء من حكمه إلا حكما هو فيه تبع لحكم الله تعالى، بل إن حكم الأنبياء إنما هو تنفيذ منه لحكم الله تعالى.
** قال علي بن إسماعيل الأبياري (ت616 هـ):”وفي النظر في أركان الحكم يتبين أن لا حاكم على الحقيقة إلا الله عز وجل”( التحقيق والبيان في شرح البرهان في أصول الفقه: 2/ص561). وقال:” وقد بينا أنه لا حكم إلا لله تعالى، وأن الرسول أو غيره، إذا أمروا وأوجبوا، لم يجب شيئا بإيجابهم، بل بإيجاب الله تعالى طاعتهم”(التحقيق والبيان في شرح البرهان في أصول الفقه: 3/ص338). وقال:” قد تقدم الكلام قبل هذا على أنه لا حاكم على الحقيقة، باعتبار الشرع إلا الله عز وجل …فإن الله تعالى إنما علمنا أحكامه بواسطة الرسل، ولا حاكم إلا الله، ولا مبلغ إلا الرسول عليه السلام”( التحقيق والبيان في شرح البرهان في أصول الفقه: 1/ص480).
** قال أبو بكر تقي الدين الحصني(ت829هـ):” وهذا متفق عليه عند أهل السنة، ويقولون: لا حكم إلَّا للشرع”( القواعد للحصني: 1/ص272).
** قال العطار (ت1250هـ) في حاشيته على جمع الجوامع:” من أجل ذلك نقول: لا حكم إلا لله …والمراد بالقول: الاعتقاد. أي من أجل اعتقاد أن الحكم خطاب الله، نعتقد أنه لا حكم إلا لله”( حاشية العطار على شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع: 1/ص77).
فهذه أقوال الأئمة، وما تركنا من أقوالهم أعظم بكثير ممن ذكرناه، غير أن الجامع بينهم هو أن الحاكمية لله، فهي مصدر الحكم الأول عند المسلمين، إن كان يوسف منهم.

(يتبع إن شاء الله تعالى ببيان ما عرض له)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى