
تنشر “إطلالة بريس” هذه التدوينة كما وردت من صفحتها الأصلية للقيادي الإسلامي عبد الكريم مطيع، بعد أن تعرضت لحذف سريع عقب نشرها على حسابه الرسمي، وتعيد نشرها تعميماً للفائدة، وتوثيقاً لمرحلة حساسة من تاريخ الحركة الإسلامية في المغرب، يرويها أحد مؤسسيها بشهادة شخصية مباشرة واليكم النص:
تدوينة تاريخية تتعرض للاضطهاد بحذفها بعد دقائق من نشرها، ونعيد نشرها تعميما للفائدة:
من ذكريات أول ظهور لحركتنا الإسلامية
كيف تفاعلت الطوائف السياسية مع ظهورنا في الساحة
من الطبيعي عندما يظهر في الدنيا أي كائن حي، أن يتفاعل مع من حوله وأن يتفاعل من حوله معه، سلبا وإيجابا تآلفا أو تكاملا أو تنافيا، كذلك تفاعلت حركتنا الإسلامية عند ظهورها مع مجتمعها وأخذ مجتمعها يتفاعل معها، كما تتفاعل الكائنات الحية مع بعضها، فكان أول رد فعل لظهورنا عدوانيا من أغلب الاتجاهات اليسارية، والسلطوية، بدءا من الحزب الشيوعي المغربي الذي دشن حملات متواصلة للتشهير بنا وربطنا بالإخوان المسلمين ولم نكن حينئذ نعرف أحدا منهم ولا يعرفنا أحد منهم، ولم يجر بيننا وبينهم أي اتصال بأي شكل من الأشكال، على رغم أن سي “علي يعطه” زعيم الحزب الشيوعي يعرفني وأعرفه، وكان في أول نشأته السياسية من شباب حزب الاستقلال قبل أن يستقطبه الحزب الشيوعي ويتخذه زعيما له، كي يتراجع مؤسسوه وزعماؤه الحقيقيون إلى الخلف لضرورات تاكتيكية خاصة بانتمائهم الديني، فآثرت عدم الرد عليهم مطلقا، منتظرا أن يألفوا وجودنا في الساحة، ليكون الحوار العقدي بيننا وطنيا ومفيدا ومجديا، بل إنني عندما توفي أحد أبناء علي يعطة، أرسلت إليه برقية تعزية نشرها في صدر جريدته الرسمية “الطليعة”، وكانت منه خطوة عاقلة بعد مواقف من حزبه متشنجة، على رغم أن نشرها كان سيغضب السلطة التي لا تريد أي تقارب بين االمشارب العقدية أو السياسيين والحزبية مطلقا، وأنه سيفتح أفقا من التعايش المثمر بين الطوائف السياسية المغربية لولا أنه قتل مباشرة في حادثة سير أمام مكتبه عقب نشر التعزية بأيام، وما كان بيننا وبين الشيوعيين إلا خلاف عقدي يحل بالحوار الذي يؤدي إلى رضاء الطرفين بأن نستظل جميعا بالإسلام أو بالتعايش السلمي في الوطن المشترك، لا سيما وليس في منهجنا أن نضيق على أي حزب في مجال السياسة مطلقا، ولا نفكر أو يفكر أحد منا في تأسيس أي حزب أو منظمة سياسية.
وثاني رد فعل ظهر في الساحة هو حزب عبد الكريم الخطيب الذي أعرف أصوله المشبوهة قبل الاستقلال، وظروف نشأته الفاسدة بعد الاستقلال، مُضارّةً للحركة الوطنية التي قادت المقاومة ضد الاستعمار الفرنسي وتآمرا عليها بعد الاستقلال، وقد حاول استدراجي للقاء به على يد الأستاذ إبراهيم كمال والشيخ محمد الحمداوي، وكان همه أن يشتري مني الحركة كأنني تاجر بشر، وكأنه (فراقشي) في سوق الأغنام، فلم يفلح لعلمي بحقيقة أمره، وأنجاني الله من كيده بهجرتي، أسأل الله حسن الخاتمة.
وثالث جهة أبدت رد فعل إيجابي مهذب ولا يخلو من محاولة استفادة سياسية واستقطاب،كانت بواسطة الزعيم علال الفاسي رحمه الله، إذ أرسل إلي مع الأستاذ عبد الرحمن الحرايشي دعوة لبيته في الرباط فلبيتها، وكانت له عندي مكانة خاصة من التقدير لعلمه وصدق جهاده، ولمعرفتي بدوره في الكفاح ضد الاستعمار الفرنسي، وبقدرته العلمية الإيجابية التي تميز بها أغلب علماء جامعة القرويين في فاس وكلية ابن يوسف في مراكش، وقد درست عليه علم أصول الفقه من قبل، وكانت لي معه لقاءات متكررة في بيته تعد دروسا سياسية وحركية في سيرته النضالية، من أول تأسيسه الحركة الوطنية مع نخبتها العلمائية الأولى إلى أن توفاه الله تعالى خارج الوطن في إطار حملة سياسية عالمية لاسترجاع الصحراء المغربية، وقد أصر على توديعي قبل سفره الأخير، فاتصل بي هاتفيا ودعاني للقاء به في مكتب حزب الاستقلال بالدار البيضاء، فلبيت الدعوة ووجدت معه مستشار الملك الحسن الثاني الدكتور إبراهيم الدسوقي أباظة أستاذ المالية العامة في كلية الحقوق سابقا، وزوج الابنة الكبرى للموسيقار محمد عبد الوهاب، وعضو حزب الوفد المصري المعارض سابقا، فدار بيننا حوار جاد حول الوضع العام في المغرب والوطن العربي، تديُّناً وسياسة واقتصادا وتعليما، واقترحت على الشيخ علال الفاسي رحمه الله أن يكتب مذكراته فأجابني مازحا: وهل تظنني قد شخت لأكتبها؟، مازلت شاب القلب أزاحمكم أيها الشباب في جميع المجالات، وضحك رحمه الله، وعند توديعي له قال: عند عودتي إن شاء الله من هذا السفر نواصل الحديث فيما ينفع الأمة. إلا أنه توفي فجأة في الخارج، بعد أن رأيته في المنام قبل إعلان وفاته بليلة واحدة في أحسن حالاته. رحمه الله وجعل الجنة مثواه.




