
الجمعة 6 يونيه 2025
غريبة هي الأحداث التي نعيشها اليوم، مع ما تحمل من تناقضات خارج كل منطق، وخارج كل الأعراف الإنسانية، وماهو متعارف عليه دوليا من حقوق الانسان وحقوق الأطفال وحقوق النساء الحوامل وحقوق الشعوب في العيش بحرية وأمان واستقلال، إذ في الوقت الذي يستمر فيه عداد الموت الجهنمي في غزة وباقي مدن فلسطين منذ أكثر من عشرين شهرا، وفي الوقت الذي يستمر فيه شلال الدم الغزير حيث ينزف الأبرياء من جراء المحرقة الصهيونية التي يقودها السفاح نتن ياهو بأعلى درجات السادية التي لم يشهد التاريخ الانساني مثلها عبر العصور والقرون، والعالم برمته ونحن معه، نتفرج على يوميات القتل المنهجي الفاشي في حق إخواننا، فمن لم يُستشهد بالقنابل الأمريكية التي تزن الأطنان فتحيله إلى أشلاء متناثرة مئات الأمتار، كان على موعد بطيئ مع موت بعد آلام فظيعة من جراء بتر الأطراف أو جروح غائرة وحروق تسببها شظايا تلك القنابل دون أن يجد مستشفى يداوي جراحه، إذ عمدت القوات الغازية الى تدمير كل مستشفيات القطاع وقتل المئات من الأطباء والممرضين والمسعفين.. ومن لم تصبه قنابل العدو وقصفه، أصابه الموت من جراء الجوع والعطش نتيجة الحصار المطبق على القطاع في إطار الإبادة الجماعية التي يمارسها كيان بني صهيون على الفلسطينيين في غزة، من أجل القضاء المبرم عليهم، وإجبار من صمد وبقي منهم على قيد الحياة على مغادرة القطاع تمهيدا لإهدائه لرئيس أمريكا من أجل إقامة ريفيرا سياحية على أنقاض أطلال غزة.
أمام هذا الوضع المأساوي الذي يشيب له الولدان حيث تجاوز عدد الشهداء في غزة 54000 شهيد إضافة الى أكثر من 130000 جريح سيقضي العديد منهم نتيجة عدم توفر الدواء والعلاج، ومن أجل وقف حمام الدم هذا، صوت مجلس الأمن الدولي يوم 4 يونيه 2025 ، على مشروع قرار يدعو إلى الرفع الفوري وغير المشروط لجميع القيود المفروضة على وصول المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة، حيث تقف آلاف الشاحنات المحملة بالمساعدات الانسانية في الحدود دون أن تسمح لها القوات الصهيونية بولوج القطاع، كما تضمن دعوة إلى وقف إطلاق النار، وإطلاق سراح جميع الرهائن دون قيد أو شرط، ورغم توازن المشروع في مضامينه، إلا أن المندوبة الأمريكية أشهرت الفيتو ضد الإرادة الدولية الممثلة في الأعضاء الأربعة عشر المكونين للمجلس، مشيرة إلى أن مشروع القرار “يفشل في إدانة حركة حماس أو مطالبتها بتسليم سلاحها والخروج من غزة و أن المجلس لم يدن حتى الآن حركة حماس ولم يصنفها كـ”منظمة إرهابية”، مؤكدة أن من حق إسرائيل الدفاع عن نفسها، وأنها لا يمكن أن تشعر بالأمان طالما أن حماس لا تزال في غزة..”، وكأن قوى المقاومة هي المعتدية وكأنه ليس من حق الشعوب مقاومة المحتل..
الفيتو الأمريكي جاء منسجما مع السردية الإسرائيلية، ومع الموقف الأمريكي الداعم للإرهاب الصهيوني بالمنطقة العربية، سواء عبر الديبلوماسية والدعم السياسي، أو عبر الدعم العسكري إذ تخصص للكيان المحتل ميزانيات ضخمة من مساهمات دافعي الضرائب الأمريكيين، كذلك من خلال الأسلحة والقنابل ذات الأوزان العالية حيث جعلت غزة وسكانها حقل تجارب لما يمكن أن يحدثه هذا العتاد الحربي من دمار شامل.
لكن العتب ليس على أمريكا، إذ هناك توصيف لبلاد العم سام نردده منذ الستينات، إنها عدوة الشعوب التي استعملت قنابلها الذرية لحرق هيروشيما ونكازاكي باليابان أثناء الحرب العالمية الثانية، وقواتها التي قتلت الملايين في الفيتنام وكمبوديا والعراق والصومال وأفغانستان وسوريا وغيرها من بقاع العالم، العتب إذن علينا نحن العرب الذين أتْخَمَتنا كل أنواع الأكل، في الوقت يتدور فيه الأطفال والنساء والرضع جوعا، وأثخن أعداؤنا في قتل إخواننا في غزة وفلسطين، العتب على قادة خليجنا الذين أتخموا طائرة ترامب بتريليونات الدولارات بدون مقابل يذكر ودون مبرر مقبول سوى الرضى عنهم، وجعلهم بصنيعهم هذا أضحوكة العالم، ولم تغن كل تلك المبالغ الخيالية عن وقف الدعم الأمريكي للمحتل الصهيوني ، كما لم تمنع استعماله للفيتو من أجل وقف آلة القتل الصهيونية، بعد أيام قليلة من الزيارة التريليونية التي سيدوِّنها التاريخ كأكبر عجائب الدنيا التي لا يمكن تصورها في الخيال أو رؤيتها في كوابيس النوم، فكانت صفعة الفيتو جزاء التريليونات المدفوعة، يا لَذُّلِّ والمهانة والخجل!!
العتب أخيرا على شعوبنا العربية والإسلامية التي لم تقم بواجب النصرة، والقيام بما يوجب وقف العدوان، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وإيقاف التقتيل لأن فلسطين هي وقف عربي و إسلامي، والدفاع عن القدس وفلسطين منوط بكل عربي ومسلم، وسيكتب التاريخ أننا عجزنا عن وقف المذابح في حق الشعب الفلسطيني الأعزل، فلو سارت شعوب المنطقة المجاورة لفلسطين في مسيرات سلمية بالملايين وزحفت نحو الأقصى لَتوقف العدوان بل لَفَرَّ قطعان بني صهيون من فلسطين، هذا دون مشاركة الجيوش العربية والاسلامية التي تعتبر الأكثر إنفاقا عسكريا في العالم!!




