مقال يستهدف مفهوم الشفاء بكلام رب الأرض والسماء.
بانقداح الفقيه المقرئ الشيخ عبد اللطيف بوعلام الصفريوي.

بعد تناولنا في المقال الأول للشفاء العسلي بقدرة القادر المقتدر العلي جاء الدور على الشفاء بتلاوة كلام البارئ الشافي.
مِمَّا لا شك فيه أنَّ القرآن شفاء فَعَّالٌ للأمراض، وخاصة منها النفسية التي تصطرخ تحت عذاباتها الأمم برمتها:
قال عز من قائل بسورة الإسراء: ” وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا(83)”، وكأنه سبحانه وتعالى يومئ لعباده المؤمنين بأَنَّ تلاوة القرآن تُسَرِّعُ عملية الشفاء مع الأخذ بالأسباب تطبيبا نبويا كما ورد بالحديث في قوله صلى الله عليه وسلم:
“شِفَاءُ أُمَّتِي فِي ثَلاَثٍ: شَرْبَةُ عَسَلٍ أَوْ شَرْطَةُ مِحْجَمٍ أَوْ كَيٌّ بِالنَّارِ؛ وَأَنْهِي أُمَّتِي عَنِ الْكَيِّ”.
وقوله صلّى الله عليه وسلّم في شأن الحبة السوداء (حبة البركة)
“عَلَيْكُمْ بِهَذِهِ الْحَبَّةِ السَّوْدَاءِ، فَإِنَّ فِيهَا شِفَاءً لِكُلِّ دَاءٍ إِلاَّ السَّامُ) أي الموت. الحديث رواه البخاري.
ناهيكم عن التردد على الأطباء الخبراء بالميدان طبعا مع التوكل على الواحد الديان تَعَهُّداً لكتابه دواء واقيا من أمراض الجهل والضلال، ومُذْهِباً لِصَدَأِ النفس من الهوى والدنس، والبخل والحسد، وغيرها من الأدواء الباطنية الفتاكة كالتقوقع حول الذات والوسواس القهري، وانفصام الشخصية و…
ومفردة: “شفاء” أقوى بلاغة من لفظة: “دواء” لأنه لو قال تعالى: (وننزل من القرآن ما هو دواء..)، فهناك احتمالية كُبرى في أنَّ القرآن قد يَشْفِي أو لا يشفي؛ ثم إن الدواء قد يكون شافيا أو ضارا أو شافيا لمدة معينة.. قال ابن الجوزي رحمه الله: ” إِنَّ تِلاَوَةَ الْقُرْآنِ تَعْمَلُ فِي أَمْرَاضِ الْقُلُوبِ مَا يَعْمَلُهُ الْعَسَلُ فِي عِلَلِ الأَجْسَادِ “.
والشفاء هو انتهاء المرض بالمطلق حتى وإن كان مستعصيا أو مستحيلا بُرْؤُهُ، ولنا في القصة الواقعية التي حكتها عن نفسها الكاتبة ليلى لحلو في شفائها من مرض السرطان الذي حَيَّرَ أطباء العالم بقراءتها للقرآن وشُرْبِ وتبليل أورامها الداخلية بماء زمزم، ولقد كتبته بالفرنسية عام: 1987م، وعنوانه:
” N’oublie pas Dieu”.
وترجمتها إلى العربية: ” لا تنس الله “.
ويروي لك الناس الأعاجيب كيف أن القرآن شافاهم من أمراض جعلت العديد من الأطباء يدينون بدين الإسلام متعجبين من فاعلية كتاب الله على تسريع الشفاء أو على الشفاء توا، ولله في خلقه شؤون؛ ولم يكتف العزيز المقتدر بجعل كلامه شفاء بل أضاف له عز وجل مفردة “رحمة” (شفاء ورحمة).
قال ابن كثير رحمة الله عليه بمعرض جزئية: (شفاء ورحمة للمؤمنين) أي: ” يُذْهِبُ مَا فِي الْقُلُوبِ مِنْ أَمْرَاضٍ: مِنْ شَكٍّ وَنِفَاقٍ، وَشِرْكٍ وَزَيْغٍ وَمَيْلٍ، فَالْقُرْآنُ يَشْفِي مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ. وَهُوَ أَيْضاً رَحْمَةٌ يَحْصُلُ فِيهَا الإِيمَانُ وَالْحِكْمَةُ وَطَلَبُ الْخَيْرِ وَالرَّغْبَةُ فِيهِ، وَلَيْسَ هَذَا إِلاَّ لِمَنْ آمَنَ بِهِ وَصَدَّقَهُ وَاتَّبَعَهُ، فَإِنَّهُ يَكُونُ شِفَاءٌ فِي حَقِّهِ وَرَحْمَةٌ “.
ثُمَّ لَا شَيْءَ يُشْبِهُ في حقيقة كُنْهِهِ مُوَاسَاةَ الْقُرآنِ أَبَدًا. تأملوا معي هذه المقاطع القرآنية المُثْلِجَةَ للصدور:
” فَلَا يَحْزُِنكَ قَوْلُهُمْ “. ” لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا “. ” لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللهَ يُحدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا “.
وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ، وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ”.
“… وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي، إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ “.
” قَالَ لَا تَخَافَا إِنِّنِي مَعَكُمَا أَسْمَع وَأَرَى”.
وأكثرها اطمئنانا قوله تعالى بسورة البقرة: ﴿ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُواْ شَيْئَاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ، وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوُاْ شَيْئَاً وَهُوَ شَرٌ لَكُمْ، وَاللهُ يَعْلَمُ، وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُوُنَ (216) ﴾ ولئن كانت الآية واردةً في معرض كُرْهِ القِتَالِ لِمَا فيه من بَذْلٍ لِلْمال وَخَطَرِ هَلاَكِ النفس، فهي منسكبة على كل الأمور؛ فَالْخِيَرَةُ دائماً في ما يختاره الله لنا، وما يختاره الله لنا هو خيرٌ لنا حتى لو كان عَكْسَ رَغْبَتِنَا، وكل اختيارات الله صالحة حتى وإن كنا لا نفهم كل أسبابها.
أَلاَ تُعَدُّ هذه الآية بَلْسًماً شافيا كافيا لمنع المنتحرين والمنتحرات واليائسين القانطين من رحمة الله أن يضعوا حدا لأرواحهم التي هي من عطاء الكريم اللطيف الرحمن الرحيم..
تنبيه للمتاجرين بالقرآن، وأقصد أولئك المرتزقة من الرقاة الذين يطلبون مبالغ خيالية لمعالجة الناس مِمَّا أصابهم من سحر أو عين أو حسد؛ فيزودونهم بالحبة السوداء والعسل المغشوشين، وغيرها من الخلطات الضارة، فليتقوا الله في عباده، ولا يكلفونهم ما لا يطيقونه، فإن أَعْطَوْهُمْ شيئا فليأخذوه هنيئا مريئا، وإن لم يُعْطَوْا، فلا يتسخطوا محتسبين عملهم ذلك أجرا عند الله.
نكتفي بهذا القدر الذي أظن أنني قد استوفيت جزءا هامًّا منه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.




