سلسلة غزاويات طوفان الأقصى :عندما تتحول “أم الدنيا” إلى حامية للكيان الغاصب
كتبها : ذ. نورالدين الهادي

السبت 14 يونيه 2025
وإذ نحن جيل واكب القضية الفلسطينية منذ ستينيات القرن الماضي، وتابعنا مراحل هامة كان خلالها الإعلام الرسمي العربي يصف فيه كيان بني صهيون في فلسطين ب “العدو الصهيوني”، لدرجة عدم بث أي صورة للمسؤولين الصهاينة على شاشات التلفزيون، مثل رئيسة الوزراء حينها كولدا مايير ووزرائها موشي دايان وأبايبان وغيرهم ممن جاء بعدهم، كيف تحول المشهد إلى تطبيع للعلاقات وتبادل للسفراء وإقامة للمشاريع المشتركة بل وصل الحد إلى المشاركة في الحصار على غزة ودعم “بني العمومة” بشتى الوسائل؟؟
هو واقع مُر بئيس وانحدار وهوان ما بعده هوان، ذلك الذي يعيشه الحكام العرب وأكرهت الشعوب العربية أن تذوق مرارته، حيث تسقط القلاع تلو القلاع ويسقط معها ما تبقى من قيمة العرب، وقد عبر عن هذا الوضع المزري برلماني إيطالي لا تربطه بالقضية الفلسطينية لغة ولا دين ولا تاريخ ولا جغرافيا، حيث انتفض تحت قبة برلمان بلاده ضد حكومته بحرقة وحسرة كبيرة وبكلمات مدوية سجلها التاريخ يدافع فيها عن قيم إنسانية، حيث قال : “الأردن ومصر يواصلان العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية مع إسرائيل وكأن شيئا لم يقع، قطر تلعب على جهات متعددة، من جهة استضافت حماس ومن جهة أخرى تعطي طائرة لترامب الذي يريد تحويل غزة إلى لاس فيكاس على جثث الأطفال، السعودية وأميرها يستخدم الوضع للضغط على إيران من أجل السيطرة أكثر على الشرق الأوسط، هكذا قدر للشعب الفلسطيني أن يموت، تخلى عنهم الجميع حتى إخوانهم، في الواقع لا أحد يهتم بالفلسطينيين”.
وفي الوقت الذي تنظم المسيرات والوقفات الاحتجاجية في أوروبا دون انقطاع، وتُسَيَّر السفن والمراكب من الموانئ الأوروبية إلى غزة لكسر الحصار الصهيوني عنها ، حيث تمت 34 محاولة سلمية بحرية منذ سنة 2008، تعرضت كلها للقصف أو المنع أو القرصنة من قبل القوات الإسرائيلية المارقة حتى في المياه الدولية دون احترام للقانون الدولي، وآخرها سفينة مادلين التي قرصنتها القوات الإسرائيلية بحر هذا الاسبوع واعتقلت كل من كان على متنها وقدمتهم للمحاكمة، رغم كل ذلك لم تنطلق ولو سفينة واحدة من الموانئ العربية وهي التي تقع على مرمى حجر من غزة المكلومة الجريحة في تناقض صارخ لما يجب أن يكون عليه الوضع من تضامن مع المظلومين، علما أن منظمات دولية عالمية تخطط الآن لتنظيم أسطول بحري يضم 1000 سفينة لكسر الحصار عن غزة، تنطلق مجتمعة من موانئ أوروبية مختلفة، فهل يكون للموانئ العربية سهم في هذا الشرف الكبير؟؟
إن حديثنا عن قطاع غزة، ليس كلاما عن شعب ليس بيننا وبينه أواصر دم وأخوة ولغة ودين، أو عن جزيرة استفرد بها جيش بني صهيون، وعاث فيها قتلا وإبادة جماعية استشهد فيها أكثر من 55000 طفل وامرأة وأضعاف ذلك من الجرحى وما يزال عداد المصابين في ارتفاع مهول، إضافة إلى تجريف وتدمير جميع المباني وقتل كل مظاهر الحياة، بل الأمر يتعلق بشعب عربي مسلم مضطهد من قبل نظام عنصري صهيوني سادي دخيل، يريد اقتلاع أبناء الأرض عبر إبادة جماعية لا مثيل لها في تاريخ البشرية، والحالة هاته أن لقطاع غزة حدود برية وجوية وبحرية مع دولة ما فتئت تسمي نفسها ب “أم الدنيا”، فهل كانت الأم بارة بأبنائها في غزة بحيث يتدخل جيشها “الباسل” لإيقاف العدوان عن المستضعفين، وهو الذي تصرف عليه أموال الشعب “الغلابة” بل هو من أبناء هؤلاء “الغلابة” أصلا، دون ذلك هل سمح بإدخال المساعدات المكدسة على الحدود منذ شهور، والأنكى من ذلك أن قوات بني صهيون احتلت محور صلاح الدين ( فيلادلفيا) الفاصل بين قطاع غزة المحاصر من “أم الدنيا” نفسها لسنوات طويلة، رغم أن أحكام معاهدة كامب ديفد لسنة 1979 تنص على الإبقاء عليه كشريط آمن خال من الجيوش، إضافة إلى أن “رئيس أم الدنيا” ما فتئ يشنف أسماعنا أن هذا المحور خط أحمرلا يمكن للقوات الصهيونية السيطرة عليه، لكنها فعلت ودمرت معبر رفح وأطبقت الحصار على القطاع، فماذا فعلت يا “رَيِّس” وهل وفيت بوعدك وعهدك؟؟
لكن إنجازات “أم الدنيا” لم تقف عند هذا الحد، بل تجاوزته إلى منع قافلة الصمود العالمية التي تعتزم دخول غزة خلال نهاية شهر يونيه 2025 عبر العريش ورفح، في مسيرة سلمية لكسر الحصار الظالم عن أطفال ونساء غزة المجوعين منذ شهور،من جراء الحرب المدمرة الظالمة التي يشنها الاحتلال الصهيوني، ومن أجل جذب الاهتمام والانتباه أكثر إلى الفظاعات التي تحدث ليل نهار في غزة، فعمدت “أم الدنيا” إلى توقيف مختلف المشاركين من دول العالم في مطار القاهرة، وإرجاعهم كرها إلى بلدانهم بعد احتجازهم لساعات في المطار دون أكل ولا دواء، مع حراسة أمنية وعسكرية مشددة، أما قافلة المشاركين القادمين بالآلاف من الدول المغاربية، فقد تم إيقافها في الشرق الليبي على الحدود بين ليبيا و”أم الدنيا “، إضافة إلى قطع سلطات شرق ليبيا الانترنت عن القافلة في حصار تام عن العالم الخارجي، كل ذلك لإيقاف زحف أصحاب الضمائر الحية من كل بقاع الأرض تضامنا مع غزة و ما تبقى من أهلها، في انسجام تام مع وزيرالأمن القومي العنصري المتطرف إيتمار بن غفير الذي صرح أن: ” سلطات “أم الدنيا” الشقيقة ستقوم بمنع قافلة الصمود من الوصول إلى غزة “، فهل تحولت ” أم الدنيا ” بكل مقدراتها السياسية والعسكرية إلى حامية لكيان بني صهيون؟؟ وهل صار وزراء الكيان الغاصب هم أصحاب القرارات السيادية ل “أم الدنيا”؟؟؟
إن الفكر والعقيدة الصهيونيين اللذين يؤطران سلوك دولة الاحتلال منذ زرع هذا الكيان في قلب الأمة العربية والإسلامية، ودعمه ماديا وعسكريا من قبل الغرب خاصة عدوة الشعوب، كفيل بقراءة مسار الأحداث وتطورها، إذ لا يزيد الصهاينة إلا تغولا وسادية نحو دول المنطقة، فبعد اجتياح غزة وتدميرها بالكامل رغم أنها ستبقى عصية عن السقوط بفضل مقاومتها الباسلة، فقد استطاع العدو الصهيوني كبح جماح المقاومة في جنوب لبنان، واستغل الأوضاع الرخوة في سوريا فضرب ما تبقى من قوة عسكرية، أما الحدود مع ” أم الدنيا ” فهي مؤمنة “ماية الماية”، ولذلك ذهبت طائراته وصواريخه فجر الجمعة 13 يونيه 2025، لتقصف مراكز حساسة في إيران، منها مواقع نووية كانت نتاج عمل ومجهود علمي ومالي استمر عقودا، ولتغتال عشرين من القادة العسكريين الكبار في الجيش الايراني إضافة إلى اغتيال أكثر من عشرة من كبار علماء وخبراء الذرة الإيرانيين، مع استخدام وسائل تكنولوجية عالية داخل إيران يشرف عليها جيش من المخبرين والعملاء المنبتين في مختلف المدن الإيرانية، مما يعد اختراقا استخباراتيا كبيرا، وينقل الصراع من مرحلة الردع إلى مرحلة الحرب المفتوحة، بتنسيق كامل ومشاركة من عدوة الشعوب التي أوقعت الساسة الإيرانيين في خداع استراتيجي ومكر لم يحسبوا له حسابا، على اعتبار أن جولة من المفاوضات حول الملف النووي الإيراني كانت مقررة يوم الأحد 15 يونيه 2025، حيث حذر ترامب أن هذه المفاوضات آخر فرصة أمام الإيرانيين للوصول إلى اتفاق، وإلا فالحرب على أبواب طهران، لكن الأمر لم يعدو أن يكون تضليلا حيث استبق الصهاينة الموعد بضرب إيران، فالعدو الصهيوني لا يفرق بين سنة وشيعة ولو كان على دين آخر، فكل من ناوءهم كان عدوا لهم .
إن ما يهمنا بالأساس في هذه الضربة المفاجئة التي قام بها طيران العدو الإسرائيلي في إيران (وقد كان الرد الإيراني في قلب تل أبيب في اليوم نفسه والمعركة في بدايتها) ، هو السلوك العدواني لهذا الكيان، فالصهاينة لن يتوقفوا عند ضم غزة والضفة الغربية والجولان وجنوب لبنان، فهم يعلنون صراحة أنهم أسياد الشرق الأوسط ودولتهم يجب أن تتوسع لتشمل كل دول الجوار من النيل إلى الفرات، ولا أحد يمكن أن ينازعهم في ذلك، وكما سقطت قلاع أخرى في ليبيا والعراق وسوريا، سيعمد السرطان الصهيوني إلى إسقاط وابتلاع ” أم الدنيا ” نفسها في اللحظة المناسبة، إذ لا مناص من ذلك في ظل هذا الخنوع والخضوع لهذا الكيان المتغطرس، وقد كان للرئيس الشرعي الشهيد محمد مرسي موقف جد مشرف حين قال: “حق أهل غزة علينا كمصريين أن نفتح الحدود بيننا وبينهم”، وفعلا فتحت الحدود خلال مدة حكمه القصيرة، وكان لذلك وقع كبير في تحسن أوضاع القطاع، وكانت فرصة لكسر الحصار عن غزة أتاحت لي ولعدة وفود وقوافل زيارة غزة واللقاء بأهلها الطيبين في أرض الإسراء الطاهرة. فهل يرضى شعب ” أم الدنيا ” وهل يرضى جيشها أن يأتي عليه يوم تُمرِّغ فيه قطعان جيش بني صهيون جيش ” أم الدنيا ” الباسل بعدما أهين وهو يرى الفلسطينيين يقتلون وراء السياج الفاصل بينه وبين القطاع، وهو على مرآى ومسمع من استغاثاتهم وتطاير أشلائهم دون أن يحرك ساكنا، فهل تستفيق ” أم الدنيا ” لتدافع عن آخر حصن بينها وبين بني صهيون، أم ترقد في سباتها العميق إلى أن تقف ذات صباح جحافل جيش بني صهيون في ميدان التحرير بالقاهرة؟؟ ذلك ما لا نرجوه للأم الحنون” أم الدنيا “.




