رأي

فلسطين والسياسة في خطاب عبد الإله بنكيران الحلقة: 2

بقلم محمد زاوي

2-المبادئ العامة لموقف بنكيران

ينطلق منها عبد الإله بنكيران من مبادئ عامة يعتبرها أساسا فكريا وعقديا وسياسيا لموقفه من القضية الفلسطينية ومستجداتها. وهي إما مبادئ تهم القضية عموما بما هي قضية إسلامية عربية، أو تخص تجلياتها وتمظهراتها في السياق المغربي بما هي قضية وطنية. ويمكننا إجمال هذه المبادئ في ثمانية مبادئ كبرى كالآتي:

-القضية الفلسطينية قضية احتلال.

-التمييز بين الصهيونية واليهودية.

-فلسطين قضية إسلامية.

-فلسطين قضية وطنية.

-القبول باليهود المغاربة.

-دعم واجب المقاومة.

-معارضة “صفقة القرن”.

-رفض التطبيع مع الكيان الصهيوني.

****

-القضية الفلسطينية قضية احتلال:

إن القضية الفلسطينية قضية استعمار، بل هي قضية استعمار إحلالي يستهدف أرضا بشعب ليستوطن عليها شتاتا ليس بشعب ولا حق له في أرض فلسطين. فلسطين إذن ليست “أرضا بلا شعب لشعب بلا أرض” كما تدعي “السردية الصهيونية”، وإنما هي أرض سُلِبت من شعبها ليُصطنَع عليها عنوة “شعب” يخدم مصالح الإمبريالية الغربية في الشرق الأوسط. وعندما نقول إن القضية قضية احتلال فهذا لا ينفي عنها المصالح والأغراض الاقتصادية التي جنتها وتجنيها الإمبريابية من اختلاق كيان في منطقة استراتيجية عربيا ودوليا.

أما وقد قال بنكيران: “إن الذين يتحدثون عن صفقة القرن يعتقدون أن المشكل الفلسطيني مشكل اقتصادي، بل هو مشكل أناس حرموا من أرضهم ويريدون الرجوع إليها لكي يتمتعوا بها” (عبد الإله بنكيران، مداخلة في ندوة نظمتها مؤسسة علي يعتة بعنوان”أساطير وجرائم صهيونية ودسائس إمبريالية ومآس فلسطينية”، 2018)؛ فالأرجح أنه لا يعني بقوله انعدام التفسير الاقتصادي لاحتلال فلسطين، بقدر ما ينبه إلى أن مصالح الإمبريالية لا تعلو على حق الفلسطينيين في أرضهم، حتى وإن كانت لها الغلبة في شرط تاريخي يقبل غايتها.

ورغم ذلك، فقد يتحول هذا المنطق في “تبخيس الاقتصاد” إلى حائل بين الفاعل السياسي وبين اعتبار الضرورة الاقتصادية والجيوسياسية الجديدة في الشرق الأوسط، والتي لا ثالث فيها بين اختيارين: إما اقتصاد عسكري يحفظ مصالحه بالحرب، وإما اقتصاد مدني يحفظها بالسلام/ إما واقع جيوسياسي يؤخر عملية الانتقال إلى الشرق الأوسط الجديد (حيث تتوافق استراتيجيات العرب – أمريكا – تركيا – “إسرائيل” بدون يمين متطرف أو بضعفه – إيران الإصلاحيين)، وإما واقع جيوسياسي يعجل بهذا الانتقال. الحقوق لا تُنسى حضاريا وعقديا، إلا أنها لا تجد لها موطئ قدم في “الواقع الملموس” إلا باستحضار ضروراته. وفي سياقات بعينها (وربما السياق الذي تكلم في بنكيران منها/ فرض “صفقة القرن” من قبل ترامب) يصبح التعالي على الواقع جزءا من الممارسة الواقعية في إطار الضغوط التكتيكية المتبادلة.

-التمييز بين الصهيونية واليهودية:

دأبت بعض أدبيات الحركة الإسلامية على التمييز بين اليهودية والصهيونية، فيما تعتنق أدبيات أخرى تأويلا خاصا في القرآن لا يرقى إلى هذا التمييز الذي فرضته التحولات الحديثة. عبد الوهاب المسيري مثال للأدبيات الأولى في كتابه “من هو اليهودي؟”، وسيد قطب مثال للأدبيات الثانية في كتابه “معركتنا مع اليهود”. وفي أدبيات ثالثة تُربَط الصهيونية الحديثة بجذورها القديمة، وذلك هو عمل إسماعيل راجي الفاروقي في كتابه “أصول الصهيونية في الدين اليهودي”. هذا ويرفض كثير من اليهود عبر العالم الهجرة إلى فلسطين، ويعتبرون “الصهيونية” تحريفا لليهودية الحقيقية؛ ناهيك عن مثقفين ورجال دين يهود ومؤرخبن داخل “إسرائيل” وخارجها، يبدون بين الفينة والأخرى مواقف معارضة للصهيونية وللوجود “الأسرائيلي” في فلسطين. تذكر على سبيل المثال: إسرائيل شاحاك في عدد من أعماله (أبرزها “اليهود: وطأة 3000 عام)، وتيار المؤرخين الجدد (إيلان بابييه، شلومو ساند، بني موريس، الخ).

عبد الإله بنكيران نفسُه يميز بين “اليهودية” والصهيونية”، فيحتفظ بموقف إيجابي من عموم اليهود، لا من الصهاينة ومن دافع عن وجود “كيان صهيوني” على أرض فلسطين. يقول بنكيران: “خصومنا هم المتصهينون والصهاينة وليس اليهود… هناك يهود مغاربة يتقاسمون معنا الأرض والجنسية والمصالح، وهناك يهود يتفقون مع ما يقع في فلسطين وآخرون لا يتفقون” (عبد الإله بنكيران، الكلمة الافتتاحية للمؤتمر الثامن لحزب العدالة والتنمية، 2017). إن هذا التمييز لا يمنع بنكيران من استحضار “الرؤية القرآنية حول اليهود” بين الفينة والأخرى، وهو -على الأرجح- ما يبقيه بين اختيارين: نقد “اليهودية المحرفة” بمرجعية قرآنية من جهة، ومعارضة المشروع الصهيوني من جهة أخرى.

هذا تأطير مبدئي في حاجة إلى تكييف واقعي متعدد التجليات؛ وذلك حسب تعدد الأطراف اليهودية في العالم وفي فلسطين المحتلة: اليهودية “الأرثودوكسية” غير المحرفة، اليهودية المحرفة خارج فلسطين المحتلة، اليهودية المحرفة في الكيان الصهيوني (اليمين “الإسرائيلي” المتطرف)، “الصهيونية” بما هي تحديث وتجاوز لمنطق “اليهودية المحرفة” (ليسوا المسيطرين على قيادة الكيان الصهيوني اليوم). ليس بين يدي الأستاذ بنكيران -حسب ما يظهر على خطابه- غير موقفين: موقف قرآني من “اليهود”، وموقف “إسلامي” من الصهيونية؛ الأمر الذي قد يستحيل حائلا بينه وبين تصور “المسألة اليهودية/ الصهيونية” تصورا كاملا وسديدا.

(نكمل باقي المبادئ العامة في المقال القادم)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى