الغِيبَة والكذب الحلال الْمَعْفُوُّ عنهما من قِبَلِ ذي العزة والجلال
بانقداح الفقيه الشيخ عبد اللطيف بوعلام.

مِمَّا لا شك فيه أَنَّ الْغِيبَةَ والكذب من الأخلاق المذمومة المُوصِلة إلى الدرك الأسفل من النار، ولا داعي لعرض الأدلة الغزيرة من الكتاب والسنة المحرِّمَةِ لهاتين الخصلتين الحالقتين المَمْقُوتَتَيْنِ، وَالْمُهْلِكَتَيْنِ للمجتمع، والمُشَتِّتَتَيْنِ لأواصر المحبة بين الأسر والناس، ولا يوجد أَحَدٌ من البشر لا يَذُمُّهُمَا، ويكره الشخص المُتَّصِفَ بهما، وحتى لا أطيل عليكم فهاكم الحالات الْمُسَوِّغَة للكذب والغيبة رفعا للملام والحرج.
أولا حديثنا عن الكذب المُمَهِّدِ لِلاِغْتِيَابِ، وليس فيه أبيض ولا أسود، فهو حرام مُشَدَّدٌ فيه إلى أبلغ الحدود لأنه إذا فشا في الأمة نخرها وأصابها في نخاعها الشوكي، فلا تستطيع النهوض البتة مهما حاولت، وحالنا الْخُلُقِيِّ يعبر عن حالتنا المتردية، يكفي في جُرْمِه أن نُذَكِّرَ الْكَذَّابِينَ وأنفسَنا بحديث مُزَمْجِرٍ بجزئية قوله صلى الله عليه وسلم في التحذير من الاتصاف به: “…وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ، فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ كَذَّاباً “. الحديث رواه مسلم في صحيحه، ومشهور بشتى طُرُقِهِ.
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ” أَمَا فِي الْمَعَارِيضِ مَا يَكْفِي الْمُسْلِمَ الْكَذِبَ “.
وقال عمرو بن الحصين: ” إِنَّ فِي الْمَعَارِيضِ لَمَنْدُوحَةٌ عَنِ الْكَذِبِ “.
والتَّعْرِيضُ في اللسان العربي هو ما يُقَابِلُ التَّصْرِيحَ، وهو ليس بكذب؛ بل هو كلام له وجهان، أو عدة أوجه، ويكون قصدُ المتكلمِ منه أَنْ يُفْهِمَ السامع خلاف ما يقصده هو من تصريح ظاهره.
والتعريض هو خلاف التصريح،
وربما لجأ المرء للتعريض لدفع مفسدة أو حرج ما أو لتحصيل منفعة يحتاج إليها كقول سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام لقومه: ” إِنِّي سَقِيمٌ “، فهو عنى السقم الكفري لعدم حضور احتفالهم بآلهتهم الحجرية، وهم حملوه على السُّقْمِ المرَضِيِّ، فتركوه وشأنه.
ولقد أورد البخاري في صحيحه حادثة للتعريض عن أنس رضي الله عنه أنه قال: “مَاتَ ابْنٌ لأَبِي طَلْحَةَ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ فَقَالَ: كَيْفَ الْغُلاَمُ؟ فَقَالَتْ أُمُّ سَلِيمٍ: هَدَأَ (تْ) نَفْسُهُ وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ قَدِ اسْتَرَاحَ..)، فظن أبو طلحة أنه تعافى أو شُفِيَ، وعنت زوجه بأن روحه قد فاضت وعادت إلى بارئها؛ ومثال هذا كثير .
ومع ذلك كله، فَالشَّرْعُ أباح الكذب الصريح في هذه الحالات:
+ في الجهاد لتفريق العدو وإثارة الرعب في صفوفه، وكذا بالنسبة للظالمين والفسَقَةِ لدفع شرورهم والأمن من بطشهم وغدرهم.
+ وَيُبَاحُ كذلك في أخذ الحقوق المُسْتَلَبَةِ من المعتدين لأن الواجب الديني يُحَتِّمُ الدفاع عن أموال المسلمين وأعراضهم..
+ ويجوز الكذب بإلحاح في إصلاح ذات الْبَيْن وإزالة العداوة والبغضاء بين الناس لأن الأمر يتطلب تقريب وُجْهَاتِ النظر بين الْمُتَشَاحِنِينَ.
+ ويباح الكذب كذلك على المرأة لإرضائها وخصوصا ما تعلق منها بالعواطف، تصور معي لو طرحت عليك سؤالا عن مدى حبك لها، وأجبتها بالسلب وبفظاظة: إني لا أحبك، فلولا الأولاد لطلقتك”، فستصير أَلَدَّ أَلَدِّ أعدائها، ولربما سممتك بعصير دواء الفئران لتتخلص منك إلى الأبد، وكذا الشأن مع أفلاذ الأكباد حتى لا تنشر بينهم البُغْضَ والحقد والكراهية.
عن أم كلثوم بنت عقبة رضي الله عنها أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ” لَيْسَ الْكَذَّابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ، فَيَنْمِي خَيْرًا، أَوْ يَقُولُ خَيْرًا “.
الحديث في صحيح البخاري تحت رقم: 2692.
قال ابن شهاب:
“وَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا يُرَخِّصُ فِي شَيْءٍ مِمَّا يَقُولُهُ النَّاسُ مِنَ الْكَذِبِ إِلاَّ فِي ثَلاَثٍ: الْحَرْبُ، وَالإِصْلاَحُ بَيْنَ النَّاسِ، وَحَدِيثُ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ، وَحَدِيثُ الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا “. من كتاب شرح النصيحة لابن زكري.
ننتقل إلى الطامة الثانية الْغِيبَةُ، وهي ذكرك أخاك بما يكرهه في غَيْبَتِهِ، وهي صفة مذمومة بامتياز طبقا للنهي الرباني الصريح تشنيعا وبشاعة تشبيها لحال المغتابين بآكلي لحوم إخوانهم الموتى متجليا ذلك بصريح العبارة في قوله تعالى بسورة الأخلاق أي سورة الحجرات:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اجْتَنِبُواْ كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ، إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ، وَلَا تَجَسَّسُواْ وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُمْ بَعْضًا، أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَّأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيِّتاً (مَيْتًا، فَكَرِهْتُمُوهُ، وَاتَّقُوا اللهَ، إِنَّ اللهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (12)﴾
ولا شك أن النميمة مُسْتَقْذَرَةٌ شرعا لأن النَّمَّامَ ساعٍ بالكلام بين الناس على وجه الإفساد بينهم، فهو عَيَّابٌ ناقل للميكروبات والجراثيم المساهمة في التفرقة والبغضاء المؤدية إلى الاِقْتِتَالِ، وجزاؤه وادٍ في جهنم لو سُيِّرَتْ فيه جبال الدنيا لذابت من كثرة حَرِّهِ، يقال له الويل ثابتا ذكره باستهلال سورة الهمزة: “وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ (1)”، وسورة القلم: {هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (11) }، وهو الشخص المغتاب للناس، طَوَّافًا بينهم بالنميمة نقلا للحديث والأسرار على وجه الفساد.
إلا أَنَّ الْغِيبَةَ جائزة في هذه الأمور الستة المرخص فيها ضرورة ملحة للبيان والتَّبَيُّنِ:
1_ التَّظَلُّمُ رفعا للشكوى.
2 _ الاستعانة على تغيير المنكر .
3 _ عند الاستفتاء.
4 _ تحذير المسلمين من المبتدعين والفاسقين.
5 _ التشهير بِلَقَبٍ مُعَرَّفٍ به.
6 _ كَشْفُ الْمُجَاهِرِ بِالْفِسْقِ.
ولقد جمع بعضهم هذه المبيحات الستة في بيتين اثنين:
الْقَدْحُ لَيْسَ بِغِيبَةٍ فِي سِتَّةٍ ^
مُتَظَلِّمٌ وَمُعَرَّفٌ وَمُحَذَّرْ .
وَمُجَاهِرٌ فِسْقاً ومُسْتَفْتٍ وَمِنْ ^
طَلَبِ الإِغَاثَةِ فِي إِزَالَةِ مُنْكَرْ .
نكتفي بهذا القدر التتويري. وإلى مقال آخر بحول الله وقوته. وفقكم الله في مسعاكم وسدد خطاكم.





