
منذ بدأت المواجهة بين إيران وإصرائيل بعد الضربات الإصرائيلية المفاجئة يوم 13 يونيو الجاري، وعبارة “مسرحية” تنتشر بين البعض على مواقع التواصل الاجتماعي لدى شرائح مختلفة بمن في ذلك مثقفون عرب من دول المشرق، وبالطبع في المغرب حيث يفضل البعض استباق مهرجان موازين قبل شهور. فقد اعتبر البعض أن الحرب بين إيران وإصرائيل مجرد مسرحية سبق الاتفاق عليها قبل القصف.
وحتى نوقظ ذاكرة البعض نذكرهم بأن كلمة”مسرحية” انتشرت أيضا في الأيام الأولى للمواجهة بين المقاوومة الفلسطينية وإصرائيل، فقد قيل بأن حماااس تؤدي مسرحية مع إصرائيل، وأن إصرائيل هي التي سمحت للحركة بدخول غلاف غز-ة يوم 7 أكتوبر 2023، بما يعني أنها جمعت عددا من الإصرائيليين في الشاحنات ونقلتهم إلى غز-ة ليكونوا أسرى بيد المقاوومة.
فهناك إذن مسرحيتان في الشرق الأوسط، لأن الموسم موسم المهرجانات.
ولكن أن تكون الحرب في غز-ة مسرحية والحرب بين إصرائيل وإيران مسرحية فهذا يعني أن من يصفون ما يجري بالمسرحية مجرد جماعة من الجهلة، لأن هذا العدد الضخم من المشاركين وهذه المدة الطويلة للمواجهات منذ 2023 إلى اليوم لا يمكن أن يكون في مسرحية، بل في ملحمة، فحتى الثقافة المسرحية تخون هؤلاء. فقد شارك في هاتين الملحمتين جميع الدول الأوروبية وأمريكا، وشارك الإعلام الدولي والشارع العالمي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي واليونسيف والمحكمة الجنائية الدولية وجميع المنظمات العالمية والفاتيكان، وكانت هناك شخصيات تظهر فوق الخشبة ثم تغيب، لأن عددا كبيرا من الرؤساء الأوروبيين والأمريكيين زاروا إصرائيل لأداء أدوار قصيرة، أما الأسرى الإصرائيليون فقد سلمت إليهم ضمانات بالعودة بعد نهاية الملحمة. أما الخراب والدمار وسقوط بنايات تل أبيب وإفراغ غز-ة فمجرد ديكور في الملحمة يتم جمعه بعد نزول الستار.
الذين يقولون بأن ما يجري مجرد مسرحية هم من الزهاد الذين يعتبرون الدنيا مجرد “لعب ولهو وإن الدار الآخرة لهي الحيوان”، ولذلك فالجميع يلعب ويلهو.
العقليات التي تتحدث عن مسرحية هي عقليات ميتة تحب الفرجة ومقطوعة الصلة بالواقع، و‘إذا كان الأمر مجرد مسرحية فأين يوجد الواقع؟.
هذه ليس عقلية المؤامرة كما قد يظن البعض، لأن المؤامرة موجودة فعلا، ولكنها عقلية الجمود والتخلف والانعزال تعكس نفسيات مضطربة، وعلامة الاضطراب عند هؤلاء أنهم في الوقت الذي يزعمون بأن كل شيء مسرحية يقولون أيضا بأن إيران انهزمت وحماااس أخطأت، فكيف ينهزم ممثلون وكيف يخطئ من يؤدي مجرد دور في مسرحية؟ أم أن هذا هو التقمص؟.
هذا هو الفرق بيننا وبين الشعوب الديمقراطية المتحضرة، بينما تصنع هذه الشعوب المواقف السياسية في الشارع نصنع نحن الخرافات والأوهام، لأن العقليات العاطلة لا تستطيع أن تنتج موقفا أو أن تستوعب الواقع، والأسلوب الوحيد لمواجهة الواقع والانتصار عليه هو عدم الاعتراف به.





