رأي

أجبه يا جبان

محمد عوام

هذا ما نطق به الشيخ عبد السلام ياسين داخل مسجد السجن.
حدثنا شيخنا الفقيه عبد الحفيظ العيساوي رحمه الله، حدثه الفقيه العدل لطفي رحمه الله (أدركته وهو يلقي دروسا ويخطب الجمعة بمسجد أُحد بحي يعقوب المنصور بالرباط، وكان له حظ من العلم، والتمكن ولعله كان يحفظ الموطأ)، أنه كان في إحدى دروسه التي كان يقوم بها في سجن باب العلو بالرباط في ثمانينيات القرن الماضي، أن قام أحد السجناء فوضع سؤالا محرجا للفقيه لطفي، سؤال سياسي يبحث له عن حل شرعي، فتلكأ العدل لطفي في الجواب، وأراد أن يخرج من هذه الورطة، وكان يومئذ الشيخ عبد السلام رحمه الله يستمع من مكان غير بعيد عن المجلس، فلما رأى من تلكؤ المرشد لطفي، قام من الخلف، وناداه بأعلى صوته قائلا: “أجبه يا جبان”.
وقد استمعت هذه القصة غير ما مرة من شيخنا عبد الحفيظ رحمه الله، بحضرة بعض الفضلاء.
أجل سيدي عبد السلام، إن الجبن لا يحدث تغييرا، ولا يسترد حقوقا، ولا يجلب حرية، ولا يقيم وزنا، ولا عدلا، ولا صرفا.
إن الجبن لا يبني حضارة، ولا يبني إنسانا، ولا أمة. وإنما يبني فسادا واستبدادا، وطغيانا، لذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعوذ منه. روى البخاري بسنده عن عمرو بن أبي عمرو قال: سمعت أنسا قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: “اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والجبن والبخل، وضلع الدين، وغلبة الرجال”
ومن الغرابة التي لا تفسير لها، وقد يحار الألباء في فهمها وتحليلها، أن الجبن في هذه الأمة قد طال أمده، واستعصى استئصاله واندثاره، كأنه أصبح من بنيتها وأصالتها، وهو شيء بخلاف دينها وعقيدتها وتاريخها. والأغرب منه أن يصبح من هم متأصل فيهم الجبن، وعرفوا به عبر تاريخهم، ومنذ نشأتهم، هم أرباب الكلمة اليوم، ويتحكمون في العالم، ويبنون دولتهم، ويضربون ذات اليمين وذات الشمال، بقسوة وشدة كما أخبر عنهم ربنا عز وجل، إنهم بنو إسرائيل. غير أنهم عندما يجد الجد، ويلاقون الأهوال والشدائد من أولياء الله المجاهدين، يعمدون من شدة الخوف إلى لبس الحفاظات، وهذا ما ذكرته وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي.
لم يحصل ذلك، ولم يقع إلا عندما استمرأت أمة الإسلام الجبن، وأشربت داء الوهن وحب الدنيا، وركنت للظالمين، وطأطأت رؤوسها للمستكبرين في الأرض بغير حق، فذلت وهانت، فتمكن منها أعداؤها. وكل هذا حصل عندما عدلت عن منهج ربها، وسنة نبيها، واستنكفت عن تاريخها، وتنكبت عن منهجها.
وها هم حكامها قد تمكن منهم الجبن، وفعل بهم الأفاعيل، حتى ألجموا عن الكلام، وهم يرون إخوانهم في فلسطين يقتلون، وتدمر بيوتهم، وتباد كافة مرافق حياتهم، فلم يحركوا ساكنا، وعندهم من الجيوش والأموال والسلاح ما الله به عليم. فهم بذلك جبناء من الأعداء، أشداء على شعوبهم.
أسد علي وفي الحرب نعامة
فقد أورد القاضي أبو بكر أحمد الدينوري المالكي (ت333ه) في (المجالسة وجواهر العلم) أنه: ” كان يقال: شر خصال الملوك: ‌الجبن من الأعداء، والقسوة على الضعفاء، والبخل عند العطاء”.
ويزداد الأمر سوءا حينما ينحو الحكام منحى خطيرا، وهو “صناعة الجبن” في الأمة، حتى تشل حركيتها وفاعليتها، هذه “الصناعة الجبنية”، لم تقتصر على عوام الشعوب فيها، وإنما انتشرت وذاعت في علمائها ومفكريها ومثقفيها، ولا أكبر دليل على ذلك، أن ترى معظم العلماء والمثقفين التزموا الصمت حيال ما يقع في فلسطين، وما حصل من التطبيع مع العدو الصهيوني، فضلا عما يقع في الأمة من فساد واستبداد وميوعة. ولا أحد من هؤلاء اشتد عزمه على النطق بكلمة الحق والجهر بها.
على أن هذه “الصناعة الجبنية” لا يمكن أن ترتفع إلا بصناعة مضادة، وذلك بتلقين الأجيال مبادئ الشجاعة والإيمان، واليقين، وحسن التوكل على الله، وبناء الإنسان وفق شريعة الإسلام، وغيرها من المبادئ الأصيلة، مع الحث على الاطلاع على سير العلماء الربانيين المناضلين، والقادة العظام الصادقين. هذا التلقين هو الذي عمل به سعد رضي الله عنه. جاء في (صحيح البخاري): “كان سعد يعلم بنيه هؤلاء الكلمات كما يعلم المعلم الغلمان الكتابة ويقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ منهن دبر الصلاة: اللهم إني أعوذ بك من الجبن، وأعوذ بك أن أرد إلى أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا، وأعوذ بك من عذاب القبر”.
واليوم ونحن نعيش طوفان الأقصى المبارك، فإنه يعطي نماذج من البطولات الخالدة، التي يكاد العقل لا يصدقها، لولا أن وسائل الإعلام نقلتها بعدسة المجاهدين أنفسهم. فأي شجاعة هذه، وأي يقين هذا، لا جرم أن هؤلاء بنوا ذاتهم، وحاربوا الجبن في أنفسهم، حتى بدا لهم عدوهم أوهن من بيت العنكبوت، فقاموا بمقاومته بكل الوسائل المتاحة، وأبانوا على تفوق منقطع النظير، وأن هذا العدو بالرغم من قوته العسكرية، والدعم اللامحدود الذي يتلقاه من الغرب وجبناء العرب وخونتهم، فإنهم بإذن الله وتوفيقه، ويقينهم فيه، أنهم قادرون على إلحاق الهزيمة به، وإخراجه من أرضهم، وهذا الذي حصل بالفعل. فكان ما كان.
إن الأمة اليوم، لا يمكن أن تتحرر من كيد أعدائها إلا بعد أن تتحرر من غوائل نفسها، وإن شر ذلك هو أن يستولي عليها الجبن، فيشل حركتها، فيتمكن منها أعداؤها. ولا خروج من هذه الوضعية إلا بنشر ثقافة المقاومة، وعلم المقاومة، وروح المقاومة، وأولى الناس بتمثل ذلك هم العلماء والمفكرون، وهذا ما نبه عليه العلامة المناضل عبد السلام ياسين رحمه الله حين نادى بأعلى صوته، ومن قلب سجنه، “أجبه يا جبان”.

2

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى