رأي

فلسطين والسياسة في خطاب عبد الإله بنكيران الحلقة 3

(بقلم: محمد زاوي)

2-المبادئ العامة لموقف بنكيران (تتمة)

-قضية إسلامية

يعتبر عبد الإله بنكيران القضية الفلسطينية قضية إسلامية أساسا، وهذا واضح في عدد من مداخلاته وكلماته التي تحدث فيها عن “نيابة المقاومة عن الأمة”، أو تلك التي يتحدث فيها عن “واجب المسلمين تجاه فلسطين والقدس والمسجد الأقصى”. إنها قضية أمة بما هي جزء من بنائها الحضاري والقيمي، كما أنها قضية إسلام بما هي دفاع عن مقدساته وحرمة المسلمين ومصالحهم. ولما كانت كذلك فهي تستوجب النصرة على المسلمين كل حسب استطاعته، وإلا أصبحوا آثمين بتخليهم عن “فرض عين” لا يسقط عنهم في ما استطاعوه.

كثيرة هي مواضع الكلِم التي يستثير فيها بنكيران مشاعر المغاربة تجاه مقدسات المسلمين في فلسطين، ومن ذلك قوله إن “ما يرتكبه الاحتلال بفلسطين، ومنه ما يقع بالمسجد الأقصى من تدنيس يومي وسعي لهدمه وبناء الهيكل المزعوم، أمور تستوجب الرد المناسب من عموم المسلمين، ودعم الفلسطينيين والوقوف إلى جانبهم” (عبد الإله بنكيران، كلمته في ندوة صحفية لمناقشة مشروع قانون مالية 2024، 8 نونبر 2023). وهذا خطاب يميني إسلامي ضد آخر يميني “إسرائيلي” متطرف، ومرجعية قرآنية ضد أخرى تلمودية.. خطاب سياسي دافعه مقدس، أو خطاب ديني دافعه سياسي. نموذج للثنائية المستمرة في خطاب بنكيران، وحيث الانتقال من الديني إلى السياسي، ومن السياسي إلى الديني.

-قضية وطنية

يؤكد عبد الإله بنكيران في معظم كلماته وخطاباته على تعلق المغاربة بفلسطين ونضالهم من أجل تحريرها، وذلك في سياق رده على أصحاب شعار “تازة قبل غزة”، وفي سياق دعوته إلى استمرار نصرة الماضي في الحاضر. فـ”القضية الفلسطينية -في نظره- قضية كل المغاربة”، الذين “كانوا في وقت من الأوقات يعتبرون القضية الفلسطينية خبزهم اليومي” (نفس المرجع). هذا خطاب ضروري لحفظ النصرة في المجتمع، والغاية إنتاج القابلية لسياستين: قابلية المجتمع لسلطة الدولة، وقابلية نصرته للاستثمار في الكسب الدبلوماسي والسياسي. “امتداد حضاري” (بتعبير محمد يتيم) يصبح قابلا للاستثمار الإيجابي، بدل أن يستثمر ضد مصلحة المغرب وعلى النقيض من استراتيجية دولته في الداخل والخارج. ذكرى يستحضرها بنكيران، وهو الإصلاحي والمشارك، خير من أن يستحضرها نقيضه الجذري المقاطع. إنه إنتاج سياسي لنفس الذاكرة بخطابين، خطاب بنكيران ونقيضه في ذات الذاكرة، وكلاهما وجه لـ”خصوصية سياسية” واحدة تستمر وتستقر باستثمار نوعين من التناقض في الداخل: تناقض داخل نفس الوحدة الإيديولوجية (اليمينية أو اليسارية)، وتناقض آخر بين إيديولوجيتين مختلفتين (يمنية ويسارية).

لم تكن هذه النصرة شعبية فحسب، وإنما كانت رسمية أيضا، وكذلك ينبغي أن تستمر. وهذه ذاكرة تأبى النسيان: “مقابر الجنود المغاربة على أرض سيناء ما تزال قائمة وشاهدة” (نفس المرجع). ما يغيب عن وعي الفاعل السياسي المجتمعي، أو لعله يًغيّبه في خطابه لغرض سياسي، أن النصرة وعدمها أو ضعفها أو تغير أسلوبها في ميزان مصالح الدول قرار واحد. إن المطلوب في هذا القرار أن يخدم مصلحة الدولة، بالنصرة أو بدونها. تغير التاريخ، وإلى أي مدى تغير، وحده يجعل الدولة تنتصر لحق ما أو تمتنع عن نصرته، تتخذ هذا الأسلوب في النصرة أو غيره. تغير موقع الفاعل السياسي المجتمعي قد يفرض عليه موقفا سياسيا على ميزان “الممكن”، لكنه إذا تحرر من حدود السلطة وغيّب النظر الواقعي يكون له خطاب آخر. وهذا تناقض في ذهن الفاعل السياسي لا يرتفع في واقع يطلبه، لا يرتفع ما دمنا نمارس وعي السياسة ومعه الإيديولوجيا، ما دمنا نحفظ الوعي لأكثر المواقع حساسية وقربا من تدبير المصالح.

-اليهود المغاربة

ولأنه يميز بين اليهودية والصهيونية كما تقدم، فإن الأستاذ بنكيران يبدي بين الفينة الأخرى تسامحا مع اليهود المغاربة وانفتاحا عليهم، بل يعطي لهذا الانفتاح بعدا سياسيا كقوله: “اليهود يضعون صور محمد الخامس في منازلهم في فلسطين، بحيث أن الملك الراحل كان يدافع بقوة على اليهود المغاربة، حتى في حملة النازيين عليهم” (عبد الإله بنكيران، مداخلة في ندوة نظمتها لجنة المغاربة المقيمين بالخارج/ حزب العدالة والتنمية، في موضوع “الهوية والانتماء المزدوج، بتاريخ 1 غشت 2016). يبدد هذا الخطاب الكثير من أحكام القيمة التي تحول دون استيعاب حقيقة المسألة اليهودية، خاصة في “خصوصيتها المغربية” حيث هاجر اليهود إلى المغرب قديما وعلى مراحل: الهجرة الأولى مع الأمازيغ أو قبيلهم أو بعيدهم، الهجرة الثانية بسبب محاكم التفتيش في إسبانيا، الهجرة الثالثة بعد الاضطهاد النازي؛ وحيث كان لهم نشاط اقتصادي بارز وعلاقات بالسلطة (متوترة أحيانا وحيدة في أحيان أخرى كباقي مكونات المجتمع المغربي) والمجتمع..

وفي جواب ضمني على سؤال: “ما الموقف من يهود إسرائيل؟”، يجيب بنكيران: “خصومنا هم المتصهينون والصهاينة وليس اليهود… هناك يهود مغاربة يتقاسمون معنا الأرض والجنسية والمصالح، وهناك يهود يتفقون مع ما يقع في فلسطين وآخرون لا يتفقون” (عبد الإله بنكيران، الكلمة الافتتاحية للمؤتمر الثامن لحزب العدالة والتنمية، 2017). المستفاد من كلام ذ. بنكيران هنا أن بعض اليهود الذين هاجروا أو هجّروا إلى أرض فلسطين لا يتفقون مع ما يقع فيها من جرائم تجاه الفلسطينيين،وهؤلاء أخف درجة من اليهود الذين يستوطنون الأراضي الفلسطينية المحتلة ويتفقون مع الجرائم الصهيونية هناك. وهذا في نظرنا تقسيم حكيم يخدم منطق “عودة اليهود إلى بلدانهم الأصلية”، إذ هناك -حسب ما فمناه من كلام بنكيران- ثلاثة أقسام من اليهود: يهود مغاربة مكثوا في أرض المغرب ورفضوا الهجرة الصهيونية، ويهود مغاربة هاجروا لكنهم لم يتحملوا مسؤولية فعلية في الجرائم الصهيونية، ويهود تورطوا في هذه الجرائم. العودة ينبغي أن تكون مشروطة، وينبغي أن تكون خاضعة لهذا التقسيم.

(نكمل باقي المبادئ في الحلقة القادمة)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى