
سلا، 29 يونيو 2025.
كان عام 2013 أول عام أقرأ فيه مادة علمية-فكرية للدكتور أحمد الريسوني، وهي رسالة له بعنوان “حديث التجديد”؛ أما قراءة أعماله بنوع من التركيز فقد جاءت سنوات بعد ذلك. وبنوع من الحماس الإيديولوجي كنت لا أدخر جهدا ولا مالا -وأنا طالب آنذاك- كلما أصدر الدكتور الريسوني كتابا جديدا إلا اقتنيته وقرأته. وكذلك بقيت إلى اليوم رغم تغير الكثير من طرق تفكيري ونظري في الظواهر. يشق على المرء أحيانا أن يطوي صفحة ماضيه، خاصة إذا كانت صفحة مشرقة في نفسه ووجدانه. تلك علاقتي بالحركة الإسلامية، رغم أنني “عققتها” ثلاثة أنواع من “العقوق”:
-عقوق تنظيمي: انتفضت به على قيود التنظيمات عموما، وكم ردّدت في ذلك الحين عبارة “الدعوة أكبر من التنظيم”؛ وكانت عدّتي الإيديولوجية في ذلك جملة أفكار وجدتها عند فريد الأنصاري (رحمه الله) في كتاباته الناقدة للحركة الإسلامية والتي من أبرزها كتاب “الفكرية: بعثة التجديد المقبلة”. ومن الأقدار أنني وجدت -آنذاك- بعض ضالتي في كتاب د. الريسوني “مقالات في الحرية”، خاصة في مقال ردَّ فيه على ذ. عبد الرحيم الشيخي الذي كان قد تحفظ -في ذلك الوقت- على كتابه “فقه الثورة”. فمرت علي الشهور، ولعلها سنوات، كنت كلما أثيرَ أمامي نقاش “التنظيم والدعوة” إلا أحلت على الريسوني والأنصاري من باب دعم الحجة ومخاطبة الإسلاميين بما يؤثر فيهم من مراجع.
-عقوق معرفي: دعوت فيه إلى مراجعة المناهج التي تعتمدها الحركة الإسلامية في التحليل والتفسير، بل دعوت فيه أكثر من ذلك إلى إعادة الارتباط بالدين على أساس إنساني و”تقدمي” (كانت “التقدمية” تعني لدينا آنذاك إخضاع الدين والتدين للنقد المعرفي الحديث). في هذه المرحلة شرعت في قراءة كتب الدكتور الريسوني وإعادة قراءة المقروء منها، بحثاً عمّا فيها من بوادر لاعتبار المصلحة بمفهومها الحديث، أو بمنطقها الحديث على الأقل. وقد وجدت في كتب د. الريسوني بعض ضالتي تلك، الأمر الذي ما زالت تشهد به تعليقاتي على هوامش عدد من كتبه (مثل: “نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي”/ “مقاصد المقاصد”/ “الكليات الأساسية الشريعة الإسلامية”)؛ كذا نصوص كتبتها متأثرا بتلك القراءة الموجَّهة بمنطق وإيديولوجيا “المصلحة” كما تشبّعت بها في كتب من قبيل كتب عالم الاجتماع العراقي علي الوردي (“وعاظ السلاطين”/ “مهزلة العقل البشري”/ “الأخلاق”/ “منطق ابن خلدون”/ الخ).
-عقوق سياسي: وهنا كان الاحتكاك النقدي والإيديولوجي بالدكتور الريسوني أكثر حدة، نظرا لموقفي الناقم على ما يسمى “الربيع العربي”، فيما أنا أسميه “فتنة الربيع”.. لقد كان موقف د. الريسوني -وربما ما زال- من موقف عامة فقهاء ومفكري الحركة الإسلامية (الإسلام السياسي)، وفي هذا السياق جاءت كتاباته “فقه الاحتجاج والتعبير” و”فقه الثورة”، كذا كتاباته عن الديمقراطية مثل “الشورى في معركة البناء” أو “الأمة هي الأصل” أو “قضية الأغلبية من الوجهة الشرعية”. لقد كنت وما زلت ضد هذا النوع من التداول الإيديولوجي للقضايا السياسية في الوطن العربي والإسلامي، خاصة إذا استحضرنا “طبيعة” “التناقض الرئيس” في المجتمعات العربية، حيث العلاقة تناقضية أساسا بين هذه المجتمعات (بما فيها “استبدادها” كما يسميه د. الريسوني وغيره من الإسلاميين) والاستعمار.
من غريب الأقدار أن د. الريسوني كان حاضرا في كل هذه المراحل من “العقوق”، تتخذ العلاقة به في كل مرحلة عنوانا خاصا بها. من خلال هذه القراءات المتعددة والمختلفة من حيث الموجِّهات الإيديولوجية والأبعاد الفكرية، عرفتُ الدكتور الريسوني معرفة فكرية فاحصة، عرفته: ملتزماً بمواقف الحركة الإسلامية وتنظيمها، صاحبَ رؤية في المقاصد صالحةٍ للمستقبل، امتدادا لرؤية ونظر في السياسة مشترَكان بين كافة “الإسلاميين”. وإذا كنت قد ابتعدتُ كثيرا عن المسألتين الأولى والثالثة، فإن الثانية (الآفاق المستقبلية لمجهود د. الريسوني في علم المقاصد) ما تزال حافلة وواعدة ويمكن البناء عليها في مستقبلنا النظري والفكري.
هذا الإيمان من قِبلي بالآفاق المعرفية لـ”مقاصدية د. أحمد الريسوني” هو ما جعلني ألبي نداء د. محمد بولوز للالتحاق بـ”منتدى الدكتور أحمد الريسوني للحوار العلمي”. وقد كان لي شرف المساهمة الفاعلة في الانطلاق العلمي لأشغاله من جهتين: من جهة اقتراحي للمنهجية التي اعتمِدت بدايةً لمناقشة كتب الدكتور الريسوني، ومن جهة مشاركتي العلمية في عدد من ندوات المنتدى (7 مداخلات علمية تقريبا). ورغم اختلافي مع د. الريسوني في عدد من “المسائل السياسية أو الفكرية” فإنني أكبر فيه ما يلي:
-إيمانه العميق والحقيقي بحرية الرأي: فليس عبثا أنه دعا إلى “أولوية الحرية” في عدد من المواضِع، منها كتابه “الحركة الإسلامية: صعود أم أفول؟”. ولذلك لم تتبدّل علاقته الطيبة بي رغم الانتقادات التي كنت وما زلت أوجّهها له بأدب في هذا المقال أو ذاك، في هذه القضية أو تلك؛ وكان آخر هذه الانتقادات تلك التي تضمنتها مقالاتي النقدية في “موقفه من القضية الفلسطينية” (يجدها القارئ في هذا الكتاب).
-صموده الوطني في وجه الدعاية الانفصالية عقب تصريحه قبل سنتين (حول تندوف وموريتانيا والصحراء المغربية)، وهو الصمود الذي كلفه الاستقالة من رئاسة الاتحاد العالمي لعلماء الريسوني. فذهب في خلافه آنذاك مذهبه القديم، حيث لا اعتذار على موقف، فكيف إذا كان الموقف في حق مغربي لا غبار عليه بالدين والتاريخ والقانون؟!
-ما بذله من مجهود في إخراج المقاصد من أمهات الكتب الأصولية وتبسيطها للناس وتوجيه طلبة العلم الشرعي إليها. وفي نظري، فإن هذا المبحث سيُطرق في المستقبل المتوسط أو البعيد من الزمن طَرْقا أكثر ألقا من هذا الزمن حيث الحاجة ماسة للمذهبية والانكفاء المعرفي. هذا ما يجب على المهتمين بمشروع د. الريسوني معرفته وتركيز الاهتمام عليه، بذل التعلق بمواقف مؤقتة تزول بزوال شروطها التاريخية والمجتمعية.
قد يتساءل متسائل: ما لصاحب هذا الكتاب يكتب عن أعلام يظهر تناقض أفكارها، فتارة يكتب عن العروي والجابري والموذن، وتارة أخرى عن الريسوني وبنكيران والقباج وعلال الفاسي؟! والجواب هنا ذاتي وموضوعي.
-ذاتيا: كل هذه الأسماء جزء مني ومن تكويني، وإذا كنت قد عققت “الإسلاميين” في المعرفة والسياسية فأنا سليل حركتهم وكتبهم التي قرأتها لسنوات (أكثر من عشر سنوات)، والتي ما كنت لأعرف لاحقها من نقد ومراجعات إلا بها ومن خلالها وبناء عليها. وإذا كنت قد عرفت الفكر أول الأمر في مدرسة الإسلاميين، فإن تحسين فكرهم بغيرهم ليس “خطيئة”، كما أن القول بحدودهم في النظر السياسي والاجتماعي يشكل تقدما في النظر وإن كان “عقوقا” (كما يرونه أو يراه بعضهم على الأقل).
-موضوعيا: نحن نعيش في تناقض اجتماعي وسياسي، ولذلك فتناقضنا في الذهن ما هو إلا مرآة للتناقض الأصل، ما هو إلا ترتيب لهذا التناقض وإثبات لوحدته و”انسجامه” في وعي الناظر كما هو واحد ومنسجم في “الوجود الاجتماعي”. أما في شروط سياسية واجتماعية خاصة، كالتي في المغرب، فتتحقق المصلحة العامة بخطاب وممارسة الجميع، شريطة أن تبقى هذه الممارسة محدودة بحدود المصلحة. الحقيقة الواقعية، المطلوب سياسيا واجتماعيا، ليس ما يراه المرء بالضرورة. المطلوب قد يتحقق بالأطراف المتناقضة، والأفكار المتناقضة. في “فضاءات عمومية” من هذا القبيل، نكون في حاجة إلى قدر كبير من الحكمة والوعي الجدلي.
***
هذه مقدمات لهذا الكتاب الذي جاء في سبعة فصول:
1-محطات في سيرة أحمد الريسوني.
2-آفاق معرفية لـ”مقاصدية أحمد الريسوني” (قراءات وفوائد)
3-نقاش حول “الاختيارات المغربية في التدين والمذهب”.
4-أحمد الريسوني وقضية الصحراء المغربية.
5-القضية الفلسطينية في تصور أحمد الريسوني.
6-أحمد الريسوني والاتحاد العالمي لعلماء المسلمين (مواقف لا بد منها في معركة وطنية).
7-ملاحق (مقالات).
***
وإذ أشكر الله تعالى أنْ هيأ لي الأسباب والأقدار لجمع هذا الكتاب، فإنني أهديه للدكتور أحمد الريسوني بمناسبة عودته إلى أرض الوطن.
كتبه محمد زاوي
بسلا، 29 يونيو 2025.




