
2-المبادئ العامة لموقف بنكيران (تتمة)
-دعم المقاومة
يُضمِّن عبد الإله بنكيران خطابه عن المقاومة الفلسطينية وقضيتها بمرجعيات مختلفة، حتى وإن دخلت -في نظره- في مرجعية واحدة، هي المرجعية الإسلامية. فالبنسبة له لا تخرج قضايا الوطنية والوحدة الفلسطينية والتحرر السياسي عن كونها قضايا إسلامية في أصلها، وإن تبنتها تيارات ومرجعيات غير “إسلامية” (أي لا تصدر عن نفس تحليل ومنطق الحركة الإسلامية في النظر السياسي والاجتماعية). وعموما، يتأسس موقف الأستاذ عبد الإله بنكيران من المقاومة الفلسطينية -وهي مقاومة إسلامية تتقاسم معه نفس المرجعية الإيديولوجية والفكرية- على ثلاثة مداخل:
*مدخل إسلامي:
إذ يعلي ذ. بنكيران من قيمة الجهاد والتضحية بالنفس في سبيل الدفاع عن أرض الإسلام ومقدساته ومصالحه، وهنا تحضر السمة البطولية للمقاومة، إذ يقول ذ. بنكيران عن مقاومي “حماس” ومعاركهم بعد عملية 7 أكتوبر: “ليسوا رجالاً فقط، بل هم على وجه الدقة شرفاء وأبطال وعمالقة”(عبد الإله بنكيران، ندوة لمناقشة مشروع قانون مالية 2024، مرجع سابق)، وقد سبق أن وصف عمليتهم في “طوفان الأقصى” بـ”الجود الإلهي” فقال: “ما كنا نظن أن الله يجود علينا بشعب بهذه القوة والصلابة، قاموا بما قاموا به يوم 7 أكتوبر وأحيوا القضية الفلسطينية، وجعلونا ندرك أننا موجودون وقادرون على هزيمة من قالوا إنه جيش لا يقهر. حماس أكدت أن الطريق الوحيد الذي يمكن أن يؤدي إلى حل هو المقاومة” (عبد الإله بنكيران، كلمة في مهرجان تضامني مع الشعب الفلسطيني/ نظمه حزب العدالة والتنمية، نونبر 2023).
صمود المقاومة وعمليتها جزء من حركة التاريخ، المدد الغيبي جزء من وجدان المقاومة ومن عقيدتها بعد أن تكون قد درست حركة التاريخ أو قبل ذلك. إنه عامل ثبات كعملية بعدية، وعامل تأهب وتوكل كعملية قبلية. إن الإيمان لا يعفي من اتخاذ الأسباب المادية التاريخية، كما أن صفة البطولة لا تلغي الحاجة إلى الوعي والتخطيط السديدين. في خطابات النصرة والتضامن يغيب عامل التاريخ، ويحضر الغيب والوجدان بما هما محرّك جماهيري. يحتاج استحضار التاريخ إلى “تقييم ملموس”، في حين لا يحتاج “تحريك الجماهير” إلا إلى “هبة من الوجدان” و”جُود من أحوال الغيب”. بين السالك وبين الغيب “ألف” حجاب، وبين الناظر وبين التاريخ “ألف” حجاب. أما الخطاب السياسي الإيديولوجي فيقرب المسافات بينهما، بين السالك والناظر، بين الغيب والتاريخ. وذلك تقريب لا يتحقق إلا في ثلاثة أنواع من: وعي يجعل من التاريخ غيبا، ووعي يجعل من الغيب تاريخ، ووعي يلجأ إلى الغيب كفاعل إيديولوجي/ وجداني/ نفساني في تاريخ مدروس بقواعده.
*مدخل وطني:
يعتبر ذ. بنكيران حركة “حماس” حركة تحرر وطني “مثلها مثل حركة التحرر الوطنية المغربية (مجموعة من التنظيمات والأحزاب التي واجهت الاستعمار الفرنسي للمغرب)، والقوات الفرنسية الحرة (القوات التي جمعها الجنرال شارل ديغول سنة 1940 لموجهة الغزو الألماني لفرنسا أثناء الحرب العالمية الثانية) وجبهة التحرير الوطنية في الجزائر (التي واجهت الاستعمار الفرنسي للجزائر)، وكثير من حركات التحرر في العالم” (عبد الإله بنكيران، رسالة موجهة إلى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، بتاريخ 30/10/2024، بعدما وصف حركة “حماس” بالإرهاب في كلمة له أمام أعضاء البرلمان المغربي).
لا جدال في أن حركة “حماس” حركة تحرر وطني، لأنها تقف في معركتها على النقيض من كيان إحلالي استعماري عنصري، وعلى النقيض من قاعدة عسكرية استخباراتية تحتل أرضا فلسطينية عربية إسلامية، لخدمة المخططات الإمبريالية في الوطن العربي والإسلامي. هذا إذن، في الأصل، موقف من الإمبريالية الغربية. ويجب أن تحافظ عليه الحركة الإسلامية، لا في موقفها من نقيض “حماس” والقضية الفلسطينية فحسب، بل أيضا من الاستهداف الإمبريالي لدول الوطن العربي والإسلامي ككل. وإنه في فترات معينة من التاريخ، قد “يفسد” التقدير السياسي فتخدم المقاومة نقيضها من حيث لا تدري. دعم المقاومة ليس “شيكا على بياض”، وإنما هو دعم مؤيد ومسانِد، كما هو دعم نقدي إذا اقتضى الحال. الموقف المبدئي والعام من المقاومة لا ينبغي أن يستحيل “موقفا استصناميا” يحول دون تقويمها والاستفادة التاريخية من تجربتها بمضمونيها الرجعي والتقدمي معا. الكامل الوحيد هو الله، أما المقاومة فيؤخَذ منها ويرد.
*مدخل وحدوي:
باعتبار “حماس” وكافة الفصائل الفلسطينية فصائلَ مقاوِمةً “تقاوم عن حق ضد الاستعمار والاحتلال والتطهير العرقي والإحلال الكبير والإبادة الجماعية، وضد كل هذه العمليات الهمجية التي ترتكبها إسرائيل، والتي لا يعود تاريخها إلى 7 أكتوبر 2023، بل بدأت منذ زمن بعيد واستمرت دون انقطاع طوال أكثر من 76 عاما” (رسالة بنكيران إلى ماكرون، مرجع سابق). ويزداد هذا الموقف وضوحا بقول بنكيران في موضع آخر: “إننا لا نفرق بين حماس أو فتح بالنسبة إلينا كلهم فلسطينيون” (كلمة افتتاحية في المؤتمر الوطني لشبيبة الحزب، شتنبر 2024).
فإذا كانت القضية الفلسطينية قضية أمة، فهي تعلو على أن تكون قضية حركة “فتح” وحدها أو قضية حركة “حماس” وحدها. النصرة موجَّهة إلى القضية الفلسطينية أساسا، لا إلى هذه الحركة دون تلك، أو تلك الحركة دون هذه، بغض النظر عن العلاقات الإيديولوجية التي تربط حزب العدالة والتنمية بالمقاومة الإسلامية، وبغض النظر عن تحفظات عدد من مناضليه وقياداته على حركة “فتح” وبعض مواقف السلطة الفلسطينية وقراراتها. يقول ذ. بنكيران: “إن القضية الفلسطينية ليست قضية فتح ولا حماس، بل هي قضية كافة الفلسطينيين، وقضية كافة العرب وكافة المسلمين، ولا يجوز لنا أن نتخلى عنها ونحن نرى إخواننا يُقتلون اليوم في فلسطين وفي غزة بالخصوص” (كلمة خلال تشييع جنازة الصحفي الفلسطيني بلال الحسن/ الرباط، 12 غشت 2024).
هناك استراتيجيتان في فلسطين، استراتيجية ظلت وبقيت مرتبطة باستراتيجية الإجماع العربي (الرسمي)، وأخرى قدّرت أن الارتهان إلى هذا الإجماع قد يعرّض حقوق الشعب الفلسطيني للخطر. وفي طريقها -الاستراتيجية الثانية- إلى الاستجابة لتحدياتها وتنفيذ تقديرها تقاطعت مع استراتيجيات غير عربية. ما حصل في 7 أكتوبر حدث وطني فلسطيني، لكنه لا يخلو من تجلّ للتقاطع المذكور، ولذلك فقد تأثر به وأثر عليه. السؤال هنا هو: كيف تكون مع الاستراتيجيتين معا في نفس الوقت؟! الجواب أن تؤمن بالعملية السياسية والردع المقاوِم، لا بأحدهما دون الآخر. موقعان في قضية واحدة، المقاومة لردع “اليمين الإسرائيلي المتطرف”، والسياسة لاستئناف عملية السلام. إن هذا الوعي لا يجيز لصاحبه الذوبان في استراتيجية دون أخرى وهو بعيد عنهما معا، إلا ما كان من باب الخطاب السياسي والإيديولوجي المحدود بغرضه السياسي القريب.
(يتبع)




