رأي

ذكرى عاشوراء بين الوجدان السني والوجدان الشيعي

بقلم الدكتور رشيد بن كيران

يعدّ يوم عاشوراء من أبرز الأيام الدينية والتاريخية التي تتقاطع حولها الرؤيتان السنية والشيعية، غير أن هذا التقاطع سرعان ما ينقلب إلى تباين حاد حين ننظر إلى الدلالة التي أضفيت على الحدث، والوظيفة التي أنيطت به في الوعي الجمعي لكلا الطائفتين. ففي حين يتمثل الخطاب السني عاشوراء باعتبارها ذكرى نبوية تعبدية قائمة على الصيام والشكر، يتمثلها الخطاب الشيعي باعتبارها ذكرى دموية حدادية قائمة على الحزن والثورة والاحتجاج على المظلومية التاريخية. وهذا التباين في التلقي لم يكن انعكاسا لتفسير مختلف لحادثة واحدة، بل تجسيدا لانقسام أعمق في فهم مجريات الحدث وتفسير عناصره التاريخية، وبناء الهوية، وتشكيل الذاكرة الدينية أو الوجدان الجمعي.

أولا  عاشوراء في الوجدان السني؛ عبادة والتزام الهدي النبوي:
يرتبط يوم عاشوراء في الرؤية السنية بما ثبت عن النبي ﷺ حين صام ذلك اليوم شكرا لله عز وجل على نجاة موسى من فرعون، وقال: 《نحن أحق بموسى منهم》، ثم قال: 《لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع》، كما في الحديث الصحيح. وبذلك، تحضر المناسبة في الوجدان السني باعتبارها حلقة من حلقات وحدة الرسالات الإلهية، التي يظهر فيها تصديق المسلمين بجميع الأنبياء والرسل {كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَـٰۤىِٕكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ لَا نُفَرِّقُ بَیۡنَ أَحَدࣲ مِّن رُّسُلِهِۦۚ}، حيث لا تنفصل الأمة المحمدية عن سياق النبوات والرسالات السابقة. ويستحب في هذا اليوم الصيام شكرا لله واقتداء بالرسول عليه الصلاة والسلام، الذي بين فضل صيامه أنه 《يكفّر السنة التي قبله》، كما ورد في صحيح مسلم، كما سلك الوجدان الجمعي السني طريق التوسعة على العيال في ذلك اليوم، مما يضفي على المناسبة طابعا من البهجة التعبدية لا الحزن والمآسي.

وفي هذا الإطار، فإن فاجعة كربلاء المتعلقة بمقتل سيدي شباب الجنة الحسين بن علي رضي الله عنهما سنة 61هـ، وإن كانت محل أسى وألم في الوجدان السني، إلا أنها لا تتحول إلى محور تعبدي، ولا تؤسس لممارسات شعائرية خاصة. فالحسين رضي الله عنه ينظر إليه باعتباره مجاهدا مظلوما، محبوبا مكرما، عاش حميدا ومات شهيدا كما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وغيره من علماء السنة، لكن لا تُبتدع حول مصيبته طقوس حدادية جاهلية لفاجعة قتله تتجاوز ما جاء به الشرع. فالموقف السني محكوم دائما بمنهجية اتباع الهدي النبوي والسلف الصالح والاحتياط في التشريع وسد ذرائع الابتداع، مما يمنعه من تحوير تلك الواقعة المفجعة إلى ذكرى مأثم يذكي صراعا تاريخيا وينفخ في سردية مليئة بالحقد لا نهاية لها.

ثانيا عاشوراء في الوجدان الشيعي؛ ذاكرة المظلومية ومحرك هوية الانتماء:
على الضفة الأخرى، يحتل يوم عاشوراء مكانة مركزية في الوجدان الشيعي، حيث يعدّ مقتل الحسين في كربلاء في اليوم العاشر من شهر الله المحرم حدثا مؤسسا للهوية الشيعية بكل أبعادها الرمزية والعقائدية والتاريخية. فالحسين، عند الشيعة، ليس مجرد حفيد للنبي ﷺ أو رجل صالح من أهل البيت، بل هو إمام معصوم، وقائد مشروع إلهي في وجه الظلم والانحراف. ومقتله يمثل لحظة مأساوية تكشف في تصورهم عن انحراف مسار صحابة رسول الله بعد وفاته عليه الصلاة والسلام، وتكريس سلطة ظالمة على حساب الشرعية الإلهية.

ومن هنا، تبنى عاشوراء في الوجدان الشيعي بوصفها أكثر من واقعة تاريخية، إنها لحظة دائمة الحضور، تستعاد كل عام من خلال طقوس جماعية تعبيرية، تشمل المجالس الحسينية، والمواكب، والندب، واللطم، وأحيانا تعذيب الجسد وضربه بآلات حادة إلى حد سفك الدماء. ولا تفهم هذه الطقوس عند جمهور الشيعة على أنها مجرد تعبير وجداني، بل هي واجب ولائي وشعيرة هوياتية، تجدد الولاء للإمام الشهيد، وترسخ الشعور بالانتماء إلى حزب الحسين في مقابل معسكر يزيد بن معاوية رضي الله عنه، الذي يتجسد رمزيا في كل من يعارض مسار أهل البيت أو ينكر إمامتهم.

وهكذا تتحول ذكرى عاشوراء إلى منظومة رمزية كبرى، لا تتوقف عند حدود الماضي، بل يستثمرها الوجدان الشيعي في الحاضر، فيسقطها على الصراعات السياسية والفكرية المعاصرة، فيصنف مسلمي السنة ظالمين جددا يمثلون شخصية يزيد !!! هكذا بجرة قلم، في المقابل يتقمص الشيعة الروافض دور الحسين وأصحابه ومن له حق الانتقام له.

ثالثًا  البعد الصراعي والحقد التاريخي في بعض التعبيرات الشيعية:
من أخطر مخرجات هذا البناء الرمزي المتشعب لعاشوراء في الوجدان الشيعي أنه لم يكتف بتجريم قاتلي الحسين رضي الله عنه، بل امتد ليشمل تحميل جمهور الصحابة، بل عموم أهل السنة، مسؤولية معنوية عن تلك الفاجعة. ففي كثير من الأدبيات الشيعية، يصور التاريخ الإسلامي على أنه سلسلة من المؤامرات ضد أهل البيت، بدأت من لحظة السقيفة، حين اغتُصبت الخلافة من علي بن أبي طالب، مرورا بخلافة معاوية، وصول إلى مأساة كربلاء.

وتبعا لذلك، تزرع في الوعي الشيعي الشعبي ثنائية ظالم ومظلوم، وغاصب ومغتصب، تجعل من جمهور الصحابة رموزا للانحراف والخذلان، وتحيل كلمة “النواصب” وهو وصف تاريخي لأعداء أهل بيت الرسول، إلى كل من لم يوالـهم، أو رضي بخلافة غيرهم، أو أنكر عصمتهم. وقد يتحول هذا الخطاب إلى موقف عدائي صريح تجاه أهل السنة اليوم، حيث تتداول أدعية ولعنات علنية، خاصة في مواسم عاشوراء، ضد من ينظر إليهم على أنهم امتداد لسلطة بني أمية.

رابعا الفروق الجوهرية في الرؤى والتوظيف:
من خلال ما سبق، يتبين أن الخلاف بين السنة والشيعة حول عاشوراء لا يقتصر على قراءة تاريخية لحدث معين، بل يكشف عن تفاوت جذري في الرؤية الدينية للتاريخ، ووظيفة الحدث في تشكيل الذاكرة والهوية. ففي التصور السني، عاشوراء مناسبة تعبدية محكومة بالنص، تذكر بوحدة الرسل والأنبياء وفضل الصيام وشكر الله على النجاة، ويستحضر فيها الحسين بوصفه شهيدا مظلوما يترحم عليه، لا بوصفه مركزا للصراع. أما في التصور الشيعي، فعاشوراء لحظة محورية لصياغة الهوية الطائفية، يبنى عليها سرد مظلومية مستمرة، ويوظف الحدث لأغراض تربوية وشعائرية وسياسية.

وعلى هذا الأساس، فإن الممارسة السنية تراعي ضوابط الشريعة في عدم إحداث البدع، والتركيز على العبرة دون الدخول في اللعن أو الثأر، في حين تتوسع الممارسة الشيعية في إنتاج طقوس وجدانية جاذبة، تعيد سرد كربلاء سنويا بأسلوب درامي، يهدف إلى تعبئة الوعي الولائي والثأري. كما أن السنة لا يحدثون أشكالا تعبدية مضادة، ولا يبادرون إلى الإساءة لأهل البيت، في حين تمارس بعض البيئات الشيعية ازدراء مستمرا للتاريخ السني ورموزه، مما يكرس القطيعة الشعورية ويعمق الشرخ بين الطائفتين.

خاتمة
يمثل يوم عاشوراء، كما يتمثل في الوجدانين السني والشيعي، نقطة تماس حادة بين رؤيتين مختلفتين للدين والتاريخ والهوية. ففي حين يتعامل أهل السنة مع المناسبة بوصفها ذكرى نبوية ذات بعد تعبدي وروحي، يوظفها الشيعة كرمز ثوري ومفصل وجودي في خطابهم الديني والهوياتي. وهذا التباين لم يكن وليد الخلاف الفقهي فحسب، بل نتاج ذاكرتين متقابلتين: واحدة تأسست على الاتباع والعبادة، وأخرى تشكلت في سياق المظلومية والمطالبة بالانتقام والانتظار. وإن تجاوز هذا الانقسام لا يكون بتجاهل الفروقات أو بتغليب حسن الظن في غير محله، بل بقراءتها بوعي نقدي يفرق بين المأساة كحدث إنساني، وممارسة طقوس كأداة لتكريس الكراهية أو الهيمنة والطائفية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى