رأي

سلسلة غزاويات طوفان الأقصى (18)” أبيع نفسي ولا أبيع طحيني “

كتبها : ذ. نورالدين الهادي

الجمعة 4 يوليوز 2025

كانت تلكم كلمات مدوية صدح بها مواطن فلسطيني غزاوي قائلا: ” أبيع نفسي ولا أبيع طحيني، فإن جوع أطفالي قطع شراييني”، ردا على مواطن آخر طلب منه بيع كيس الطحين الذي كان يحمله على ظهره، وتحصله بعد جهد وعناء وتضحية ومغامرة بحياته، تحت وابل من زخات الرصاص والقصف الهمجي لمرتزقة الشركات الأمريكية والقوات الصهيونية المشرفة على توزيع “مساعدات” الموت التي باتت مصيدة للغزاويين، وفخا لا مفر منه حيث يمعن الساديون الصهاينة في قتل المجوعين الباحثين عن حفنة طحين لإعداد رغيف يؤكل مع جرعات ماء إن وجدت، من أجل البقاء على قيد الحياة إلى حين سقوط قذيفة غادرة ، تمحي الجميع من سجلات الحالة المدنية. هذا أقصى ما يمكن أن يوفره الفلسطيني لأبنائه، الخبز الحافي أما باقي أنواع الغذاء فهي مفقودة، وإن وجد منها شيء فبأسعار جنونية لا يقدر عليها الغزاويون الذين لا مداخيل لهم أصلا، وما تزال طاحونة قتل طوابيرالباحثين عن الطحين مستمرة تودي باستشهاد معدل ثمانين من الأبرياء بشكل يومي، حيث يختلط الطحين الأبيض مع الدم الأحمر في مشهد يبكي له القلب وينفطر من هول ما ترى العين من يوميات الإبادة الجماعية التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني المقاوم في كل فلسطين وغزة على الخصوص منذ قرابة عامين إذ هي أطول حرب غير متكافئة مع الكيان الغاصب.

هي كلمات معبرة ستبقى مدونة عبر التاريخ، شاهدة على العصر وعلى مشهد لم تعرفه البشرية مع أشد الجبابرة تنكيلا، فجيش بني صهيون وزعيمه الإرهابي الفاشي نتن ياهو مستمر في تدمير غزة بالكامل بصواريخ وقنابل أمريكا والغرب المنافق المتشدق ب “حقوق الإنسان”، وممعن في هدم البيوت والمدارس والجامعات، ونسف المستشفيات واغتيال الأطباء والأطر الطبية والمسعفين والصحفيين الذين ينقلون فظائع الجيش الإسرائيلي النازي، وإبادة الآلاف من النساء والشباب والأطفال والكهول، ويواصل إعدام كل مظاهر الحياة، ومن لم يقتل بالحديد والنار، يباد تعطيشا وتجويعا، وهذا تطبيق حرفي للنظرية الأمنية للأكراني زئيف فلاديمير جابوتنسكي (1880- 1940 ) أحد قادة الحركة الصهيونية و مؤسس ” الصندوق القومي اليهودي”، إذ تنبني نظريته التي طرحها قبل إنشاء دولة بني صهيون ، على أن تكون قدرة إسرائيل على الردع والعقاب والسبق جارفة كاسحة سادية لا فرصة للإفلات منها، وعليه لا بد من امتلاك قوة ضاربة في المنطقة العربية، قادرة على تثبيت الكيان الصهيوني، ثم التمدد توسعا في جميع الاتجاهات والسيطرة على أراضي دول ” الجوار” بعد تقييدها باتفاقيات ملغومة تأخذ كل شيء مقابل وعود هلامية، لذلك ما فتئ جميع المسؤولين الصهاينة يرددون أنها حرب وجود من أجل بقاء كيانهم على أرض فلسطين إلى الأبد، والفلسطينيون لهم خياران اثنان لا ثالث لهما: إما البقاء في فلسطين مع حتمية الموت، أو الجلاء عن وطنهم والشتات عبر دول المعمورمن أجل البقاء، وأن كيانهم الغاصب مساحته صغيرة كما صرح بذلك ترامب رئيس أمريكا حيث يجب توسيعها لينعم المواطنون بالرخاء والأمان في الدولة اليهودية (هذا تعريف منظمة الأمم المتحدة في قرار تقسيم فلسطين بتاريخ 29 نونبر 1947)، وتوسيع الكيان المزروع غصبا عن سكانه الشرعيين ولو على جماجم وأشلاء الأبرياء، يا للظلم والسادية…

إذا كان أهلنا في غزة يموتون ببطء من جراء العطش والجوع دون الحصول على رغيف لسد الرمق، إذن فأين الملايين من شعوب العالم “المتحضر”، أين الشعب العربي، أين التضامن العربي والإسلامي بل الإنساني، أين تريليونات البترودولار التي أهديت لرئيس أمريكا ليرضى و” يطيب خاطره”، أين دول الجوار التي تحُد فلسطين من جميع الجهات وتعجز عن إدخال كيس طحين للمجوعين منذ شهور، بل تشارك في الحصارمنذ سنوات، نكاد نصير بكما من فرط النداء لإغاثة النساء الثكالى والأطفال اليتامى، ومن مشاهد القتل اليومي المنظم الذي تمارسه قطعان بني صهيون في حق إخوة الدين والدم واللغة والتاريخ والجغرافيا.. يا للخجل…

إن سادية نتن ياهو وأمثاله من أصحاب القرار في دولة بني صهيون لن تتوقف عند فلسطين، بالتأكيد سيأتي الدورعلى المصونة ” أم الدنيا ” التي تتبجح بان جيشها هو الأقوى بالشرق الأوسط، أما دول لبنان وسوريا والأردن فهي إلى أفول، ودخول فلول بني صهيون إليها مثل دخول المغول.

إن مواجهة العدوان الصهيوني يفترض وعيا خاصا بما يخطط له أعداء الأمة للسيطرة على مقوماتها و جعل مواطنيها مجرد عبيد يخدمونهم، إنها حقا حرب وجودية للإنسان العربي، صحيح أن جيش بني صهيون دمر كل القطاع، لكنه لم يستطع تدمير عزيمة المقاومة في غزة وكل فلسطين، إذ لم ترفع الراية مستسلمة، بل مازالت تقاتل شبرا بشبر في كامل القطاع المحاصر، وتطور عملياتها وتنوعها بشكل متواصل رغم ضعف الامكانيات بل رغم انعدامها، وتوقع ضربات موجعة في العدو وألويته وآلياته التي صارت أضحوكة امام العالم، لقد سار الكيان يعاني معناة شديدة : الجيش أصابه الإرهاق والملل من حرب لم تبق لها أهدافا ولا أفقا، الاقتصاد في الحضيض من جراء تداعيات الحرب الطويلة، الوضع الاجتماعي يتفكك وارتباط المستوطنين وايمانهم بالوطن القومي يهتزبسبب معاناتهم أيضا من الحرب..والمديونية في أعلى مستوياتها منذ تأسيس الكيان الغاصب.. إضافة إلى الانكشاف الأخلاقي لدولتهم أمام العالم بسبب المجازر اليومية والإرهاب غير المسبوق في حق الأبرياء من نساء وأطفال، مما تسبب في تحول كبير في الموقف الدولي، الأمرالذي يشكل ضعفا في مناعة الدولة الصهيونية.

إزاء هذا الوضع ومن أجل ما تبقى من سمعة الأمة العربية وجب التوقف عن هذا الخذلان، واتخاذ موقف موحد لدى جميع حكام العرب من هذه المذبحة الرهيبة، إن وقف هذا العدوان هو المعيار الحقيقي لعروبتهم وإسلامهم وإنسانيتهم و شرعية الكراسي التي يحكمون بها شعوبهم، إنها لحظة الحسم للضغط من أجل وقف هذه الحرب العبثية دون أن تتحمل “الجيوش العربية وعلى رأسها جيش أم الدنيا” عناء دخول الحرب، فقد اعتادت على البقاء في ثكناتها وصامت عن القيام بدورها، إلا إذا استدعيت لقمع المطالبين من شعوبها بالحرية والديمقراطية.

صحيح أن هؤلاء الحكام ميؤوس منهم ومن مواقفهم، فنحن نراقب الوضع ونتتبعه منذ ستينيات القرن الماضي، إذ لم ينجزوا إلا الخيبات تلو الخيبات، لكن نرجو أن يكذبوا ظننا فيهم وحينها سنعتذر لهم ونرفع لهم القبعة ونهتف لهم…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى