رأي

أئمة مزيفون يزورون الاحتلال… وأئمة أوروبا يعترضون على التطبيع ويستنكرون الزيارة

إطلالة بريس – كمال عصامي

في ظل تصاعد النفوذ الصهيوني في أوروبا، شهدنا زيارة مثيرة للجدل لشخصيات تزعم أنها أئمة من عدة دول أوروبية إلى كيان الاحتلال الإسرائيلي، برعاية لوبي “إلنِت” المعروف بقوة تأثيره داخل دوائر القرار الأوروبي. تكشف هذه الزيارة عن محاولات استخدام الدين في خدمة أجندات سياسية، مع تجاهل لقضايا المسلمين الحقيقية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية. في هذا التقرير، نسلط الضوء على هذه الزيارة، خلفياتها، والتداعيات التي أثارتها داخل الأوساط الإسلامية والمجتمعية.

زار عدد من الشخصيات التي تزعم أنها “أئمة” من دول أوروبية، بينها فرنسا وبلجيكا وهولندا والمملكة المتحدة وإيطاليا، كيان الاحتلال الإسرائيلي، حيث التقوا بالرئيس إسحاق هرتسوغ، في زيارة جرت برعاية منظمة “إلنِت” (Elnet)، المعروفة بارتباطها الوثيق باللوبي الصهيوني، وتُعد من أقوى شبكات النفوذ الإسرائيلي في أوروبا.

من هي “إلنِت”؟

“إلنِت” (ELNET – European Leadership Network) هي شبكة أوروبية مؤيدة لإسرائيل، تأسست سنة 2007، وتعمل على تعزيز العلاقات بين إسرائيل والدول الأوروبية عبر قنوات سياسية وإعلامية. تُوصف بأنها واحدة من أقوى أدوات النفوذ الصهيوني في أوروبا، حيث تركّز على التأثير في صناع القرار والسياسات الخارجية للاتحاد الأوروبي، وخاصة فرنسا وألمانيا.
تُنفذ “إلنِت” برامج لقاءات دورية بين مسؤولين إسرائيليين وأوروبيين، وتموّل زيارات لبرلمانيين إلى إسرائيل، وتدير فروعًا نشطة في عدة عواصم أوروبية. كما تُتهم من قِبل منظمات حقوقية ومجتمعية بأنها تلعب دورًا في تلميع صورة الاحتلال الإسرائيلي، ومحاولة فرض الرواية الإسرائيلية على الخطاب الأوروبي العام.

ووفقًا لتحقيق نشره موقع Mediapart الفرنسي، فإن “إلنِت” تمارس منذ سنوات دورًا متصاعدًا في التأثير على صناعة القرار السياسي في فرنسا، إذ بدأت منذ عام 2017 العمل بشكل مباشر داخل البرلمان الفرنسي، من خلال تنظيم اللقاءات والضغط عبر مجموعات نفوذ مدعومة ماليًا.

كما كشفت تقارير إعلامية متطابقة أن الشبكة موّلت رحلات إلى كيان الاحتلال الإسرائيلي لما يقارب مئة نائب فرنسي، في إطار استراتيجية مدروسة للترويج للرواية الإسرائيلية حول الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، ومحاولة التأثير على مواقف البرلمانيين الفرنسيين وتوجيهها لصالح السياسات الإسرائيلية.

الزيارة أثارت موجة من الغضب والانتقادات، خاصة أن الشخصيات المشاركة لا تحظى بأي اعتراف داخل الأوساط الإسلامية المستقلة، وقد وُجّهت إليهم اتهامات بتبنّي خطابات تُجمّل السياسات الغربية المعادية للمسلمين، وتُسهم في تبرير الاحتلال الإسرائيلي.

وتتهم جهات إسلامية ومجتمعية أوروبية هؤلاء الأشخاص بالسعي لتقديم صورة مشوّهة عن الإسلام، من خلال خطاب يُسوّق لما يسمى بـ”السلام” مع الاحتلال، بينما يتم تغييب قضايا المسلمين الجوهرية، وعلى رأسها فلسطين. كما يُتهم بعضهم بالتحريض ضد الجاليات المسلمة المنتقدة للسياسات العنصرية، أو بالتواطؤ مع مشاريع تضييق الحريات الدينية في عدد من الدول الأوروبية.

بيان استنكار من هولندا

ولم تمرّ هذه الزيارة دون ردود فعل قوية من داخل الجسم الدعوي الإسلامي في أوروبا، حيث أصدرت “مبادرة مجموعة الأئمة والخطباء والدعاة بهولندا” بيانًا شديد اللهجة، عبّرت فيه عن استنكارها العميق لمشاركة بعض الأشخاص المحسوبين على الإمامة في مثل هذه الزيارة، ووصفتها بأنها:

“فعلة شنيعة محرّمة، لا تمت إلى الشريعة ولا إلى شرف الرسالة الدعوية بصلة.”

البيان، الصادر بتاريخ 7 يوليو 2025، شدّد على أن هذه الزيارة تُعد انزلاقًا خطيرًا لا يمثل الإسلام ولا قضاياه، وأن الكيان الصهيوني يحاول تجنيد “بعض المنبوذين” لتلميع صورته القبيحة الملطخة بدماء الأبرياء.
وأكد الموقعون أنهم سيظلون أوفياء لفلسطين ورافضين لمحاولات غسل الوعي الجماعي عبر أدوات مكشوفة.

تساؤل مشروع: من يمثل من؟

ومن جهة أخرى، يُطرح السؤال: بأي مرجعية دينية أو شعبية يتحدث هؤلاء؟ الحقيقة أن هؤلاء الأشخاص لا يعرفهم أغلب المسلمين في أوروبا، ولا يُمثلون إلا أنفسهم. بل يُمكن القول إنهم مغصوب عليهم تمثيل الجماعات الإسلامية، ولا يمتلكون الشرعية أو القبول الحقيقي داخل المجتمعات التي يدعون تمثيلها. إن تبنيهم خطابًا يُرضي السلطات الغربية يوحي بمحاولة إيهام الشعوب الإسلامية بأنهم صوتها، بينما الواقع عكس ذلك تمامًا.

ويرى مراقبون أن هذه الزيارة لا تعبّر عن المسلمين في أوروبا، بل تُمثل محاولة مكشوفة لاستخدام الدين كأداة في خدمة مشاريع سياسية، من ضمنها تبييض صورة الاحتلال، والتأثير على الرأي العام عبر واجهات زائفة لا تمثل حقيقة الانتماء الإسلامي ولا قضايا الأمة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى