
في ظرف وجيز، استطاع عبد الرحيم الشافعي أن يرسّخ بصمته داخل واحد من أكثر القطاعات حساسية واستراتيجية في المغرب، وذلك منذ تعيينه على رأس هيئة مراقبة التأمينات والاحتياط الاجتماعي (ACAPS) في 19 أكتوبر 2023، بموجب ظهير ملكي. تحوّله إلى هذه المسؤولية لم يكن مجرّد تعيين بروتوكولي، بل إيذان بانطلاقة مرحلة جديدة من الإصلاحات، تقودها كفاءة تقنية مشهود لها، وتجربة ميدانية طويلة، واستيعاب عميق للتحديات الاقتصادية والاجتماعية المرتبطة بالتأمين.
من قاعات الدراسة الفرنسية إلى قيادة المؤسسات الوطنية
ينتمي عبد الرحيم الشافعي إلى طينة من الكفاءات التي بنت مسارها بجهد ذاتي ورؤية متزنة. فقد حاز على شهادة الماجستير في الرياضيات من جامعة روان، ثم واصل تحصيله العلمي بحصوله على ماجستير في الإحصاء من جامعة بيير وماري كوري، قبل أن يتوج مساره الأكاديمي بشهادة MBA من مدرسة HEC المرموقة بباريس.
على المستوى المهني، بدأ الشافعي رحلته سنة 1992 كمستشار اكتواري بباريس، ثم عاد إلى المغرب حيث شغل مناصب قيادية داخل عدد من كبريات شركات التأمين، مثل: سند، سنيا، زيورخ، الشركة المركزية لإعادة التأمين، تأمينات وفا، فيدال، وBCE للاستشارات الاكتوارية. كما تولى سنة 2019 رئاسة صندوق التضامن ضد الوقائع الكارثية (FSEC)، حيث قاد إصلاحات مهمة في زمن قياسي، بشهادة العديد من الفاعلين في القطاع.
ثقة ملكية.. ودعم حكومي رفيع
خلال حفل تنصيبه الرسمي، الذي حضرته وزيرة الاقتصاد والمالية نادية فتاح العلوي، تم التأكيد على أن تعيين الشافعي ليس فقط تكريما لمساره، بل دعامة لإصلاح هيكلي مستقبلي. الوزيرة وصفت المناسبة بـ”اللحظة القوية”، مشيدة بالثقة الملكية السامية التي وضعت الرجل المناسب في المكان المناسب، في لحظة يحتاج فيها القطاع إلى قيادي يتوفر على الخبرة التقنية والبصيرة الاستراتيجية.
إصلاحات ACAPS.. تأمين لخدمة المواطن ورؤية للتنمية
تحت قيادة الشافعي، تشتغل الهيئة ضمن رؤية تنموية ترتكز على التوجيهات الملكية السامية، وعلى جعل المواطن في صلب السياسات التأمينية. وقد تم رسم خارطة طريق ثلاثية الأبعاد:
1. رقمنة شاملة للإجراءات الإدارية التأمينية، وتيسير ولوج المواطنين إلى الخدمات.
2. دعم الابتكار والمقاولات الناشئة عبر تحفيز التكنولوجيا التأمينية (Insurtech).
3. تعزيز الحضور الإفريقي للمؤسسات التأمينية المغربية في إطار شراكات متوازنة.
“إمرجانس”.. رؤية مبتكرة لمستقبل التأمين
ضمن هذا المسار، أطلقت الهيئة برنامج Émergence، والذي يهدف إلى إرساء ثقافة الابتكار والتأقلم مع التحولات الرقمية. ويتضمن البرنامج تأسيس خلية للابتكار التكنولوجي داخل الهيئة، إضافة إلى دعم الشركات الناشئة المهتمة بمجال التأمين، بهدف خلق منظومة رقمية مرنة تستبق التحديات، بدل أن تكتفي برد الفعل.
الشافعي نفسه عبّر عن هذه الرؤية قائلاً: “لم يعد كافيا أن نتأقلم، بل أصبح من الضروري أن نستبق ونبتكر ونتشارك في البناء.”
التأمين المغربي في العمق الإفريقي
لم تقتصر رؤية الشافعي على الإصلاح الداخلي، بل امتدت نحو تعزيز التكامل الإقليمي. ففي قمة التمويل الإفريقي (دجنبر 2024)، دعا إلى بناء سوق إفريقية موحدة للتأمين، تقوم على توحيد المعايير والتشريعات، وتوسيع نشاط الشركات المغربية في القارة، مع التركيز على التأمينات المناخية وتدبير المخاطر الفلاحية.
وتنسجم هذه التوجهات مع الاستراتيجية الملكية في تعميق حضور المغرب داخل القارة الإفريقية، على أسس من التعاون الاقتصادي والتكامل المؤسساتي.
ختامًا: الشافعي نموذج للمسؤول الذي يجمع بين الحكامة والرؤية
اليوم، يُعيد عبد الرحيم الشافعي صياغة أدوار هيئة مراقبة التأمينات والاحتياط الاجتماعي، ويقود تحوّلا هادئا لكنه عميق، يُرسّخ الحوكمة الجيدة، ويُعزّز الثقة المؤسساتية في قطاع حيوي. ومن موقعه، يُشكل صلة وصل بين التوجيهات الملكية العليا، وتطلعات المواطنين، وتحديات الأسواق الدولية، في نموذج إداري يُحتذى به داخل الفضاء الفرنكوفوني والإفريقي




