
لم نعد بحاجة إلى كثير من الجهد لندرك أن ما يُبثّ في بيوتنا من أفلام ومسلسلات وأغانٍ هو الذي يصوغ اليوم وجدان أبنائنا وبناتنا، ويعيد تشكيل قيمنا وسلوكنا، بل حتى ذوقنا ولغتنا وطريقة تفكيرنا. في مقابل ذلك، تراجع المنبر، وخفُت صوت الدروس والمواعظ، وتوارى الفن الملتزم، حتى كدنا نصبح غرباء عن أنفسنا في عقر دارنا.
إن ما نعيشه اليوم في أعراسنا وفي حياتنا اليومية، من مظاهر العري والتفاهة والإسراف والانبهار بعادات الآخر، هو نتيجة طبيعية لهذا الغزو الثقافي والفني المُمنهج، الذي نجح في تحويل القبح إلى جمال، والانحراف إلى حرية، والتفاهة إلى “ترند”.
لكن بدل أن نظل في موقع التذمّر والشكوى، فإن دورنا الحقيقي يجب أن يتجلى في البناء، في الإنتاج، في الإبداع. إننا بحاجة إلى إنتاج مسلسلات وأفلام وبرامج، لكن بلغتنا، بثقافتنا، بقيمنا، بهويتنا الإسلامية. نريد أعمالاً فنية قوية، مشوقة، مشغولة بإتقان، لكن ببطولات نظيفة، وبطلات محتشمات، وأحداث تبني لا تهدم، وتُحيي لا تُفسد.
نريد مسلسلات لا تقلّ في التشويق عن أشهر الأعمال العالمية، لكنها تحمل رسائل واضحة، ضوابط شرعية، وقدوات حقيقية. نريد فناً يُعلي من قيمة الأم، والمعلّم، والعالِم، والمصلح. نريد فناً يُربّي الذوق، لا يُسفّه العقل.
حين نستنكر أن يحضر الناس حفلات “طوطو” وأمثاله، يجب أن نتساءل بصدق: ماذا قدمنا لهم بدلًا عن ذلك؟ هل أبدعنا في فنّنا؟ هل طوّرنا إعلامنا؟ هل أسّسنا لمسار بديل؟ أم بقينا نراوح أماكننا، ننتقد وننتظر، بينما غيرنا يبدع ويؤثّر ويصنع الوعي، في مخابز الأفلام والمسلسلات والرسوم المتحركة؟
كنت أتمنى من قناة محمد السادس، التي تمتلك إمكانات كبيرة، أن تتبنّى هذا الخط الفني الرسالي، الغنائي والتمثيلي معًا. كنت أتمنى من المحسنين أن يُدركوا أن دعم الإعلام النظيف والفن الهادف، لا يقلّ أهمية عن بناء مسجد أو حفر بئر. لكن للأسف، غُيّب الوعي، وجُرّدنا من الثقة، وصار تفكيرنا عقيمًا، لا يبدع، لا يشتغل، لا يُراكم.
إن لم نتحرك اليوم، فغدًا سيكون أبناؤنا أكثر غربة في أوطانهم، وأشدّ بعدًا عن قيمهم، وسنجد أنفسنا أمام أجيال هجينة، تفتخر بغير هويتها، وتستحيي من دينها، وتستهزئ بمن يدافع عنه.
الفن ليس ترفًا، بل معركة وعي… فمن يخوضها؟




