رأي

سلسلة غزاويات طوفان الأقصى (19)”حزب أمريكا” وبداية التغيير

كتبها : ذ. نورالدين الهادي

الجمعة 11 يوليوز 2025

لكل شيءٍ إذا ما تم نقصانُ فلا يُغَر بطيب العيش إنسانُ

هي الأمورُ كما شاهَدْتها دولٌ من سره زمن ساءتهُ أزمانُ

بهذين البيتين افتتح الشاعر أبو البقاء الرندي(1204-1285م) قصيدته الشعرية التي دونها في رثاء الأندلس قبل سقوطها ، إن ما يهمنا في هذا المجال ليس سوى الإشارة البليغة للشاعر العربي، حين يؤكد نقصان الشيء بعد اكتماله، حيث شروق الشمس ينبئ بغروبها، وكذلك الدول مهما بلغت من القوة والمنعة والجبروت، أتى عليها حين من الدهر لم تكن شيئا مذكورا، خاصة إذا طغت واستبدت وعاثت في الأرض علوا وفسادا… إنها إذن سنة كونية منذ نشوء الحضارات.

إن المتتبع لمجريات الأحداث العالمية، وعلى الخصوص مسيرة الدول المؤثرة في صنع القرار، التي تقر السلم والحرب في العالم، المتحكمة في الميكانيزمات المالية والاقتصادية، وتوجهات الشعوب وطريقة استهلاكهم وغير ذلك مما يتعلق بصيرورة البشرية، خاصة ما يجري بالولايات المتحدة الأمريكية، لا يمكن أن تخطئ عينه ما يجري من تحولات عميقة وجذرية في أمريكا على جميع المستويات القِيمية و السياسية والاقتصادية والاجتماعية، مما ينذر ببداية انهيار وشيك لأقوى دولة في العالم.

فعلى المستوى القِيمي انتهى رصيدها الذي سوقته منذ قرن من الزمان وزعمته لنفسها على أنها الدولة التي تنشر العدالة والسلم والديمقراطية، إذ سقط القناع بشكل كامل، فحيثما ولينا وجوهنا في أرجاء الكوكب الأزرق، إلا وجدنا بصمة أمريكا حاضرة تشهد بما اقترفته جيوشها من مآسي ومظالم ومذابح ، كون تاريخها ملطخ بدماء الأبرياء الذين أذابتهم قنابلها النووية في هيروشيما ونكزاكي باليابان، وغير بعيد حروبها الشرسة في منطقة الهند الصينية، على شعوب كمبوديا ولاهوس والفيتنام، وما فعلته في أطفال العراق وشعبه، والصومال وأفغانستان واليمن وغيرها من الدول…، والدعم اللامشروط للكيان المحتل لأرض فلسطين منذ إنشائه، ثم الحرب العالمية الدائرة رحاها في أصغر مساحة في الكوكب على غزة الأبية حيث تشارك جيش بني صهيون الهولوكوست ضد الفلسطينيين في حرب إبادة جبانة عبثية منذ قرابة سنتين، بالمال والسلاح الفتاك والخبراء والمعلومات الاستخباراتية والدعم السياسي في المحافل الدولية…

وعلى المستوى السياسي نشهد تضخما فاحشا لنرجسية ترامب رئيس أمريكا بتسييس مؤسسات الدولة وتطهير الهيآت الرقابية من مخالفيه، واستهداف حرية الصحافة والمجتمع المدني وهي مؤشرات على التفكك والصراع في العَصَب الصَّلب للدولة، في تحلل كامل من الضوابط التي تنظم المؤسسات المختلفة للدولة، مما أدى إلى ارتباك كبير وفقدان توازن المؤسسات المؤثرة في السياسات الداخلية والخارجية لأمريكا، حيث انتقلت من دولة المؤسسات إلى دولة الزعيم الأوحد…

أما الجانب الاقتصادي فلم يسلم من سياسات غريبة وطائشة لترامب، حيث فرض رسوما جمركية واسعة غير منطقية على جميع الدول، الخصوم منها والحلفاء على حد سواء، كانت سببا في نشوء حرب تجارية ستكون لها انعكاسات مدمرة على الاقتصاد العالمي مع زيادة التضخم، إضافة الى حالة العزلة الاقتصادية والسياسية لأمريكا في علاقاتها مع دول المعموربسبب هذه المواقف والقرارت الغريبة.

لم يسلم المجتمع الأمريكي من رعونة رئيسه المعاد انتخابه، حيث تحولت الأجهزة الأمنية إلى أداة للقوة الضاربة تستخدم لقمع المعارضين لسياساته الداخلية أو لرفضهم مشاركته الفعلية في الحرب الطاحنة على غزة، خاصة طلبة الجامعات، التي نُظمت في باحاتها اعتصامات مطالبة بوقف الحرب الهمجية، مما يؤشر على تحول هام في فئة الشباب المثقف، نتيجة لذلك اتخذ ترامب قرارت بوقف دعمها من خزينة الدولة، مما سيكون له بالطبع آثارا كبيرة جدا على البحث العلمي وعلى سير هذه المؤسسات.

أمام هذا الوضع، وإزاء الانهيار الوشيك الذي أشرنا إلى أهم مؤشراته، وصار حديث الباحثين في أمريكا وخارجها، بل أصبح حديث الشارع الأمريكي الذي يتخوف من صراع داخلي يؤدي إلى انهيار وسقوط قد تسبقه حرب أهلية بين الأطراف النافذة، تكون عواقبها وخيمة على منجزات الدولة “العظمى”، لذلك شهد المشهد السياسي الأمريكي حدثا تاريخيا غير مسبوق، حيث أعلن إيلون ماسك الملياردير الأمريكي مؤسس شركة “تسلا” ومالك منصة “إكس” بداية شهر يوليوز 2025، عن تأسيس “حزب أمريكا” مؤكدا أن هدفه الرئيسي هو : “إعادة الحرية للشعب الأمريكي ومواجهة سيطرة نظام الحزب الواحد في البلاد”، حيث قال:”عندما يتعلق الأمر بإفلاس بلدنا بالإسراف والفساد، فنحن نعيش في نظام الحزب الواحد، وليس في الديمقراطية”، وقد جرى هذا الاعلان متزامنا مع احتفالات يوم الاستقلال الأمريكي مما يعطي دلالة للحدث.

إن الإعلان عن حزب جديد في أمريكا من أغنى رجل في العالم، ومن شخص موَّل جزءا كبيرا من حملة ترامب الانتخابية، وعينه وزيرا للكفاءات الحكومية، قبل أن يحتدم الخلاف بينهما حول قانون الميزانية، ليؤشر على أزمات أمريكا العميقة، والصراع الكبير بين قواها المختلفة، بعدما استفحلت أمراضها وشرورها الداخلية والخارجية.

هل بلغت أمريكا بأزماتها المختلفة الداخلية والخارجية حافة السقوط المدوي، في ظل رئيسها الذي يطبق ” نظرية الرجل المجنون ” بذكاء كإستراتيجية للربح الوفير، وهي نظرية تعتبر أحد أكثر الأساليب التفاوضية إثارة للجدل في تاريخ السياسة الخارجية الأميركية، وتقوم النظرية على مبدأ مفادُه أنك إذا أقنعت خصمك بأنك “غير عقلاني” بما يكفي لأن تتخذ قرارات مدمّرة، فإنه مدفوعا بالخوف سيقبل بالتراجع أو التنازل لتجنّب الأسوأ، فالناس عادة يسرعون لتجنب الخسائر أكثر مما يسارعون لجني المصالح، وهو بذلك لا يتقيد بالقوانين والأعراف داخل بلاده أو على المستوى الدولي؟ بل يعمد إلى الإكراه عبر إطلاق التهديد والوعيد وتحديد الآجال، وإلا فالمزيد من القوة والتنكيل، وهي أساليب تزيد من عدد الخصوم واستثارة العداوة من جميع الأطراف…

فهل هي بداية الانهيار والسقوط الحضاري لأمريكا، وتفكك عرى الدولة ومؤسساتها، تلك الدولة التي ذهبت إلى الشرق الأوسط لتدعم كيانا غريبا عن المنطقة، من أجل شرق أوسط جديد، تستفيد من تريليواناته بسخاء، ونسيت هي وكيان بني صهيون الزائل، أن صرخات الاستغاثة ودعوات المظلومين المُجَوَّعين والمصابين، وأرواح عشرات الآلاف من الشهداء الذين أحرقتهم طائراتها وقنابلها “الغبية” في غزة، ليس بينها وبين الله حجاب، إذ لا بد للظلم أن ينكسر ولا بد للمقاومة أن تنتصر، ولا بد للظلام أن ينجلي ولا بد للنورأن ينبعث (إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ ۚ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ) هود/81.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى