
سألني كثيرون: هل يجوز سب الأموات والحديث فيهم بسوء أم لا؟ خاصة وأن بعض الشخصيات يكون منها ما يكون في حق الإسلام والمسلمين، فيرتاح الناس من شرورهم؟ فهل نطوي عنهم الذكر صفحا، ونلتزم قوله صلى الله عليه وسلم: لا تسبوا الأموات، فإنهم أفضوا إلى قدموا؟
الغيبة محرمة بإطلاق:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
واما ان الغيبة والحديث في الاموات محرمة بإطلاق فهذا غير صحيح من الناحية الشرعية فقد تحدث العلماء عن مجموعه من المواطن التي تجوز فيها الغيبه وذكروا منها مواطن عديدة تجوز فيها، بل قد تجب في بعضها.
بعض مواطن الجواز:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
وتجوز الغيبة عند علماء الإسلام في مواطن عديدة، منها:
1- التظلم، فيجوز للمظلوم أن يتظلم إلى السلطان أو القاضي بذكر المرء في غيبته بمساوئه. .
2- الاستعانة على تغيير المنكر بذكر الوالغ في المنكر أو المستهتر فيه.
3- الاستفتاء، بأن يقول للمفتي ظلمني فلان أو أبي أو أخي بكذا فهل له كذا؟
4- تحذير المسلمين من شر المسشتهرين بالشر والفسقة….،كجرح المجروحين من الرواة والشهود والمصنفين وغيرهم.
5- أن يكون مجاهراً بفسقه أو بدعته، كشرب الخمر ومصادرة أموال الناس، فيجوز ذكره بما يجاهر به….
وغيرهم.
ومنهم من نظم بعض هؤلاء بالقول:
الذم ليس بغيبة في ستة **** متظلم ومُعرِّف ومحذر
ولمظهر فسقا ومستفت ومَنْ **** طلب الإعانة في إزالة منكر
عمل الأئمة:
ــــــــــــــــــ
وقد روي عن الحسن البصري لَمَّا بلغه موت الحَجَّاج بالَغَ في سبّه، وقول البخاري في الباب بعده سبّ الأشرار دون الكفار يدل على هذا المعنى.
وأنت إذا نظرت في كتاب المتوارين الحافظ عبد الغني الازدي تجد مجموعة من كلام الأعلام في هؤلاء الذين روعوا وأساؤوا في الدين للدين أو لأهله.
في القرآن الكريم:
ــــــــــــــــــــــــــــ
وقد جاء في القرآن الكريم سب أموات ولعنهم وذكرهم بمساوئ ما عملوا، ومن ذلك قوله تعالى في حق الكفار: {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} البقرة: 161؛
لعن النبي صلى الله عليه وسلم:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وعلى سنة القرآن الكريم، مضى عليه الصلاة والسلام ، فلعن بعض الأموات وذكرهم بسوء، ومن ذلك لعنه صلى الله عليه وسلم أصحاب القليب.
وجبت:
ــــــــــ
والدليل على جواز الحديث في الهالكين بسوء ممن تتضرر الجماعة المسلمة منهم، ما جاء في صحيح البخاري ومسلم:” مُرَّ بجَنَازَةٍ فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا خَيْرًا، فَقالَ نَبِيُّ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ: وَجَبَتْ، وَجَبَتْ، وَجَبَتْ، وَمُرَّ بجَنَازَةٍ فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا شَرًّا، فَقالَ نَبِيُّ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ: وَجَبَتْ، وَجَبَتْ، وَجَبَتْ، قالَ عُمَرُ: فِدًى لكَ أَبِي وَأُمِّي، مُرَّ بجَنَازَةٍ، فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا خَيْرٌ، فَقُلْتَ: وَجَبَتْ، وَجَبَتْ، وَجَبَتْ، وَمُرَّ بجَنَازَةٍ، فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا شَرٌّ، فَقُلْتَ: وَجَبَتْ، وَجَبَتْ، وَجَبَتْ؟ فَقالَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ: مَن أَثْنَيْتُمْ عليه خَيْرًا وَجَبَتْ له الجَنَّةُ، وَمَن أَثْنَيْتُمْ عليه شَرًّا وَجَبَتْ له النَّارُ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللهِ في الأرْضِ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللهِ في الأرْضِ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللهِ في الأرْضِ”.
فلم ينكر صلى الله عليه وسلم على الناس عدم الحديث في الميت، بل عد قولهم فيه وذكرهم له بالسوء شهادة تستوجب أثرها.
ما رآه الناس شرا فهو شر:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وان مما يخشى منه ويخاف الانسان فيه على نفسه أن يكون حديث الناس عنه بسوء. ومن جهتنا لا يمكننا أن نمنع الناس باي حال من الاحوال من التعبير عن الآمهم وما يختلج في صدرها في امثال هذه المواطن، فن ما رآه المسلمون حسنا واستعينوا القيام به فهو عند الله حسن كما ورد فيه الصحيح.
في الصحيحين:
ــــــــــــــــــــــــــ
فقد صح أنَّ رَسولَ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مُرَّ عليه بجِنَازَةٍ، فَقالَ: مُسْتَرِيحٌ ومُسْتَرَاحٌ منه. قالوا: يا رَسولَ اللَّهِ، ما المُسْتَرِيحُ والمُسْتَرَاحُ منه؟ قالَ: العَبْدُ المُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ مِن نَصَبِ الدُّنْيَا وأَذَاهَا إلى رَحْمَةِ اللَّهِ، والعَبْدُ الفَاجِرُ يَسْتَرِيحُ منه العِبَادُ والبِلَادُ، والشَّجَرُ والدَّوَابُّ”.
وقوله: مستراح منه ذم وسب لم ينكره صلى الله عليه وسلم، وارد من ذلك الحذر من الاعمال التي تدفع الناس الحديث.
ابن بطال:
ـــــــــــــــ
وعند شرحه لتبويب البخاري في حكم سب الأموات، قال رحمه الله تعالى:” إن سبهم يجري مجرى الغِيبة في الأحياء، فإنْ كان الرجل أغلب أحواله الخير، وقد تكون منه الفلتة، فالاغتياب له محرم، وإن كان فاسقًا مُعْلِنًا فلا غِيبة فيه، فكذلك الميت إذا كان أغلب أحواله الخير لم يجز ذكر ما فيه من شر، ولا سبه به، وإن كان أغلب أحواله الشر فيباح ذكره منه، وليس ذلك مما نهى عنه من سبِّ الأموات، ويؤيد ذلك ما أجمع عليه أهل العلم من ذكر الكذابين، وتجريح المجرَّحين”.
الدعوة للسب:
ــــــــــــــــــــــ
فهل يفهم مما سبق دعوة الناس لسب الأموات الذين يعتقدون إساءتهم إليهم؟
لم أقل هذا، ولكني قصدت بيان جواز ذلك، وأن سلفا من هذه الأمة قد عمله، وأن قول الأمة وجمهرتها معتبر ويجب الحرص على عدم إزعاجها فيما تراه مزعجا أكثر من الحرص على آحاد الأفراد، وإن الصالحين قد سبوا ولعنوا هؤلاء المسيئين الأشرار، وكتب التراجم مليئة بشواهد إقذاعهم لبعض الهلكى، ولهم رحمهم الله مستند من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة كما قد سلف بعض من تلكم الأدلة.
وأما الأحاديث الواردة في النهي عن سب الأموات، فلا تفهم إلا باستحضار أسباب ورودها، جمعا بين الأدلة، وتجنبا لضرب النصوص بعضها ببعض، وهو الأمر الذي بينه العلماء في مواطنه.
والله غالب على أمره.





