
تعتبر خطابات جلالة الملك محمد السادس التي يوجهها في مناسبات متعددة تجسيدا للحظة دستورية بامتياز، فهي تندرج في إطار الشرعية الرمزية لمؤسسة إمارة المؤمنين المتجلية دستوريا في الفصل 41، وليس ذلك فحسب، بل تتعداه إلى تأسيس توجهات استراتيجية ملزمة سياسياً وأخلاقياً لمختلف الفاعلين، في ضوء اختصاصاته الدستورية كضامن لوحدة الدولة وتوازن السلط، كما تعتبر آلية تواصلية مع المواطنين والمواطنات من خلال خطابات تعكس رؤية الملك للواقع وللمستقبل.
ومن خلال ما سبق يمكن اعتبار الخطاب الملكي بمناسبة الذكرى 26 لاعتلاء الملك محمد السادس (حفظه الله) عرش المملكة في 28 يوليوز 2025 نموذجا، حيث جاء مستندا إلى رؤية حقوقية وتنموية متقدمة، جعلت العدالة المجالية محوراً جوهرياً لإعادة ترتيب أولويات الدولة، ضمن نموذج تنموي موجه يدعو إلى عدالة مجالية ، وضمان تكافؤ الفرص في الولوج إلى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، انسجاماً مع روح دستور 2011 ، انعكس هذا الفهم جليا من خلال ما عبر به جلالته بقوله:
“فلا مكان اليوم ولا غدا، لمغرب يسير بسرعتين…” فهذه العبارة الحاسمة تأكيد من جلالته على مطلب العدالة المجالية من منظور دستوري،حيث ينص الفصل 31 من الدستور المغربي بوضوح على واجب الدولة في تعبئة الوسائل لتمكين المواطنات والمواطنين من ولوج متكافئ إلى الخدمات الأساسية، وهو ما يشكل الإطار القانوني المرجعي لأي سياسة عمومية عادلة، كما يمكن اعتباره إعلانا لنواة صلبة لميثاق جديد للتنمية المندمجة في اتجاه لإعادة تعريف وظائف الدولة الترابية، ويؤسس لمقاربة مستندة إلى المساواة الدستورية في الحقوق، وتستجيب للراهنية التي تتلاءم مع وضع المغرب داخليا وخارجيا، مهما بلغت المنجزات:
“تعرف جيدا أنني لن أكون راضيا، مهما بلغ مستوى التنمية الاقتصادية والبنيات التحتية، إذا لم تساهم، بشكل ملموس، في تحسين ظروف عيش المواطنين، من كل الفئات الاجتماعية…” ( الخطاب الملكي)؛ حيث الحاجة لازالت ملحة لضمان توزيع متكافئ للثروات، الشيء الذي يستدعي:
• تحويل السياسات العمومية الاجتماعية إلى سياسات مجالية مندمجة.
• تمكين الجهات والجماعات الترابية من آليات وموارد فعلية.
• ربط التنمية المحلية برهانات الأمن المائي والطاقي والتعليمي.
الديمقراطية التشاركية معبر لتصحيح للمسارات.
أكد الخطاب الملكي على أن الديمقراطية التشاركية لا زالت هي الآلية الأساس لتنمية مجالية عادلة، بل آلية أيضا لتصحيح الاختلالات ونقص المخرجات، حيث أصبح من الضروري تجاوز المقاربات الفوقية في إعداد البرامج التنموية، نحو تفعيل آليات الديمقراطية التشاركية المنصوص عليها في الفصول 12 و13 و139 من الدستور، والتي تجعل من المواطن والمجتمع المدني شركاء في إعداد وتتبع وتقييم السياسات العمومية، مما يلح على:
تفعيل الهيآت الاستشارية المجالية وتعزيز أدوارها، باعتبار المعطى المجالي أكبر من كونه مساحة جغرافية، بل بنية حية تتأسس على هوية اقتصادية واجتماعية لها خصوصيتها، يجب أن ينبثق عنها تخطيط تشاركي من أسفل إلى أعلى، كما يتعين ملاءمة الميثاق الوطني للاتمركز الإداري بما يضمن العدالة في توزيع الكفاءات والموارد والخدمات.
الرؤية الملكية ومداخل إعادة صياغة العقد التنموي
قدم الخطاب الملكي أربعة مداخل عملية لتحقيق النقلة المجالية المنشودة:
▪ تشغيل محلي موجه نحو تثمين المؤهلات الجهوية
▪ خدمات اجتماعية منصفة تحفظ الكرامة وتقلص الفوارق
▪ تدبير بيئي ومائي استباقي يراعي التغيرات المناخية
▪ ربط التنمية المجالية بالمشاريع الوطنية الكبرى
كل هذه المحاور تشكل بمجموعها خارطة طريق تشريعية ومؤسساتية، تستدعي تعبئة فورية لعدة أوراش قانونية، منها:
• تعديل القوانين التنظيمية للجماعات الترابية لتعزيز الاستقلالية المالية والبرمجة
• مراجعة منظومة الجبايات المحلية بما يخدم الإنصاف المجالي
• إرساء قواعد تدعم إدماج الفاعلين،من خلال إدماج الجامعات ومراكز البحث، والهيئات الاستشارية ، ومكونات المجتمع المدني في مختلف مراحل البرمجة والتنفيذ والتقييم.
خلاصة :
يؤسس الخطاب الملكي بناء على ذلك للعدالة المجالية التي لا تقف عند حدود الجغرافيا، بل تنفتح على مفهوم العدالة الاجتماعية في تمظهراتها الترابية وهو دعوة إلى دولة الرعاية الجديدة التي لا تُقاس فيها الإنجازات بمعدلات النمو وحدها، بل بمدى وصول آثارها إلى أصغر دوار في أعماق الجبال والقرى وتحول من إرادة الانصاف المجالي إلى دولة الرعاية الجديدة، وإذا كان المغرب قد بلغ – حسب الخطاب – عتبة الدول ذات التنمية البشرية العالية، فإن التحدي المقبل هو جعل هذه التنمية شاملة، دامجة، ومندمجة لكل مجال جغرافي ولكل فئات المجتمع مما يفرض على الفاعل السياسي، والفاعل الترابي ، والإدارات العمومية الانتقال من منطق البرامج الممركزة إلى منطق التنمية المجالية المواطِنة، التي تجعل من الديمقراطية التشاركية والعدالة المجالية الركيزتين الأساسيتين لبناء مغرب ما بعد 2025.
بالتالي فالخطاب إلى تجاوز منطق المنجز إلى عدالة التوزيع، أو بتعبير آخر بناء التوازن بين شرعية المنجز الاقتصادي وشرعية التوزيع الاجتماعي فيرسم بذلك تحولاً جوهرياً في هندسة السياسات العمومية المغربية، حيث تصبح العدالة المجالية ليست مجرد مطلب اجتماعي فقط، بل التزاما سياديا على أساس دستوري موثق بخطاب العرش باعتبارعيد العرش موعدا سنويا لتجديد البيعة وإعادة بنائها على أسس متينة من التفقد لأحوال الشعب والذي يعتبر الخطاب في حد ذاته أحد تجلياته، وتقييما لمنجزات تظافرت فيها عدة إرادات وتعدد فيها الفاعلون…
“وهي مناسبة أيضا للوقوف على أحوال الأمة : ما حققناه من مكاسب، وما ينتظرنا من مشاريع وتحديات، والتوجه نحو المستقبل، بكل ثقة وتفاؤل” الخطاب الملكي .
فضلا عن كونه مناسبة للتعبير عن أسمى روابط المحبة المتبادلة والوفاء بين ملك وشعب يزيدها مرورالزمن رسوخا.
29 يوليوز2025




