تصريح فخامة الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون: لحظة اعتراف نادرة أم نداء للمراجعة؟
بقلم: المهندس عبد الله أيت شعيب كاتب وفاعل سياسي.
الرباط، يوم الخميس 31 يوليوز 2025.
بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على اشرف المرسلين.
قال تعالى *”ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين”* (الانفال/46).
في خضم الجمود والتوتر السياسي الذي يطبع العلاقات المغربية الجزائرية، خرج فخامة الرئيس الجزائري السيد عبد المجيد تبون، في تصريحٍ جرى تداوله بشكل واسع على وسائل التواصل الاجتماعي خلال شهر يوليوز 2025، ليقول فيه بوضوح لافت :
*”الصحراء الغربية نتاع الجمهورية الصحراوية ضيعنا فيها مال قارون.. أموال طائلة… des milliards de Dollars مشاوا…”*
إن هذا التصريح، سواء جاء بدافع انفعال طارئ أو عن مراجعة هادئة ومعمقة، يُمثّل لحظة مفصلية تستحق التوقف والتأمل. فهو، في جوهره، إقرارٌ نادر يكشف حجم الكلفة الباهظة (ما قارون) التي كبّدت هذا النزاع المفتعل الدولة الجزائرية، سواء على مستوى الموارد المالية أو الأرصدة الضرورية للدعم الدبلوماسي والسياسي أو الدعم العسكري الميداني.
إنه تصريح لا يمرّ مرور العابرين، بل يحمل دلالات عميقة توحي بأن زمن المكابرة قد يفسح المجال، أخيرًا، أمام صوت العقل والمصارحة…:
*من زاوية القانون الدولي:*
من الناحية القانونية، يُعدّ هذا التصريح اعترافًا ضمنيًا بكون الجزائر طرفا أساسيا في النزاع، وبمستوى التدخل المالي والسياسي والعسكري والميداني المباشر للجزائر في نزاع الصحراء المغربية، وهو ما ظلّت تنفيه رسميًا أمام المنتظم الدولي، رغم ما تؤكده تقارير أممية وشهادات منشقة وحتى ميزانيات رسمية مرصودة لتمويل *”البوليساريو وقادتها”*.
وبمقتضى قواعد القانون الدولي، فإن الدولة التي تدعم فاعلًا غير حكومي يستهدف أراضي دولة أخرى، سياسيًا أو عسكريًا أو ماليًا، تتحمّل مسؤولية قانونية مباشرة، لا سيما إذا كان الدعم يعطل مسارات الحل أو يفاقم النزاع.
*إلى الشعب الجزائري الشقيق… من قلوبٍ لا تحمل إلا المحبة:*
في خضم هذا السجال السياسي، لا يمكن أن نغفل عن مخاطبة الشعب الجزائري الأبيّ، الشقيق في الدين، والدم، واللغة، والمصير.
فالحقيقة المؤلمة، أن هذا النزاع المفتعل، الذي ليس فيه للجزائرين ناقة ولا جمل، لم يكن عبئًا على الدولة الجزائرية فحسب، بل كان عبئًا ثقيلًا على الشعب ذاته: استنزف ثرواته، وأخر تنميته، وزاد من عزلته، وحرمه من فرص تكامل طبيعي مع جيرانه المغاربة لأكثر من خمسين عاما.
كم من طريقٍ لم يُعبّد، وكم من مستشفى لم يُنجز، وكم من جامعة لم تُبْنَ، وكم من شاب ضاع حلمه في بطالة قاتلة، بل كم من أرحام قطعت، فقط لأن المال وُجّه إلى “قضية خاسرة” بدل أن يُستثمر في الحاجيات الأساسية للمواطن الجزائري!
أي منطق يُبرّر أن يُضحّى بمستقبل أمة كاملة، من أجل مشروع انفصالي لا يهم الشعب الجزائري ويفتقد لأي سند قانوني، أو شرعية شعبية، أو أفق واقعي؟
نداءنا موجهٌ للشرفاء في الجزائر، وهم كثر، ليعيدوا فتح باب العقل والتاريخ، وليُحمّلوا حكّامهم مسؤولية هذا المسار العقيم الذي أبعد الجزائر عن شعبها وعن محيطها المغاربي والأفريقي.
*الروابط أقوى من النزاع، فلماذا الاستمرار في العناد؟:*
إن هذا النزاع، الذي طال أمده لخمسة عقود، لم يخلّف سوى الألم والفرقة واستنزاف الثروات. وحلّه، بمنطق الحكمة والتكامل، لن يكون مجرد طي لصفحة الماضي، بل سيكون بداية لمستقبل مغاربي مشترك: فتحٌ للحدود، وصلٌ للأرحام، لمٌ للشمل، ربطٌ للمدن المغاربية بشبكات السكك والطرق، وإنجازٌ لمشاريع تنموية عابرة للحدود.
إن هذا التصريح يكشف بمرارة، وبلسان رسمي، أن هذا النزاع، الذي كان بالإمكان دفنه منذ عقود بالحوار الصادق والتفاهم بين الأشقاء، استُغل عمداً كأداة لإدامة التوتر وتعطيل كل أفق للوحدة والتكامل.
أيُّ عقل يقبل أن يتحول وهمٌ سياسي إلى عائق مزمن أمام نهضة شعوبنا؟ وأي منطق يُبرر أن نبقى رهائن حسابات باردة وخطابات خشبية، بينما الأمم تتقدم؟
لقد دفعنا جميعاً، مغاربة وجزائريين، كلفة هذا العناد، وتركنا الباب مفتوحاً أمام الإبتزاز الدولي لكلا البلدين، وأمام التدخلات الأجنبية التي لا ترى فينا سوى سوقًا مفتوحة أو حديقة خلفية، ولا تتمنى لنا إلا المزيد من التخلف والتشرذم، بل وتسعى صراحة إلى زرع الفتنة بيننا، كما فعلت في أوطان عربية شقيقة تحوّلت اليوم إلى أنقاض وإلى طوائف تتناحر بينها في فتن لا يعلم مداها إلا الله.
وإن ما يُضاعف من وقع هذا التصريح، ويمنحه بعدًا أخلاقيًا أعمق، هو أنه يُسلّط الضوء على الفرص الضائعة:
فرص التنمية، وفرص بناء الثقة، وفرص عودة الدفء إلى روابط الدم والدين واللغة والتاريخ المشترك، وهي الروابط التي لطالما حرص المغرب على صيانتها، ومدّ يد الأخوة الصادقة عبر مبادرات متكررة، كان آخرها دعوة *جلالة الملك محمد السادس،* في خطابه بتاريخ 30 يوليوز 2025، إلى تجاوز منطق القطيعة والعناد، وفتح صفحة جديدة قائمة على الحوار والاحترام المتبادل.
إننا إذ نسجّل مضمون هذا التصريح بكل تقدير، نأمل صادقين أن يُشكّل لحظة مراجعة شجاعة، تنقل الملف من منطق العناد والإنكار والتصعيد، إلى منطق الحل السياسي الواقعي والدائم، بما يحفظ كرامة الجميع، ويُحقّق مصلحة الشعوب المغاربية التي لم تعد تقبل بأن تُرهن مستقبلها لصراعات أيديولوجية فقدت معناها.
إن إعادة فتح الحدود، واستئناف التبادل، وانهاء قطيعة الأرحام ولم شمل الأسر، وربط المدن المغاربية بخطوط السكك والطرق والمشاريع المشتركة، ليس مجرد طموح تنموي، بل هو واجب تاريخي، ومسؤولية وطنية، ومقدمة حقيقية لسلام دائم وتكامل فعال في عالم لا يعترف إلا بالقوة الإقليمية المتماسكة.
*بعض السخرية الجغرافية:*
إن أصررنا، بغفلةٍ أو عناد، على الاستمرار في هذا الجمود العقيم والخصام العبثي، فلسنا إلا تجسيدًا حيًّا ومخزيًا لاسم النقطة الحدودية بيننا: *”جوج بغال”*. وكأن الأقدار سخرت منا لتُترجم واقعًا مأساويًا بحروف لاذعة، اختزلت في عبارة ساذجة ما آل إليه حال شعبين كان حريًا بهما أن يكتبا التاريخ معًا، لا أن يُستَدرَجا إلى حماقة الصراع الأبدي.
فهل نُصرّ على أن نكون نكتة جغرافية؟ أم ننتفض لنكون أمّة محترمة بين الأمم؟
*خلاصة المقال:*
إن تصريح فخامة الرئيس عبد المجيد تبون، الذي هزّ الرأي العام العربي والدولي، ليس مجرد زلة لسان. إنه، بوضوح، لحظة سياسية كاشفة، يمكن أن تُفتح من خلالها بوابة الأمل نحو حل سياسي واقعي ودائم، تحت السيادة المغربية، مع ضمان كرامة الجميع.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل سيستمر فخامة الرئيس تبون، رغم هذا الاعتراف الصريح *بـ”ضياع مال قارون”،* في السير على درب الاستنزاف المكلف؟ وهل ستظل خزينة الشعب الجزائري تُنهك بلا حدود في نزاع أرهق الجميع دون أن يثمر أي نتيجة؟
إن كان الجواب بالنفي، فإن أولى خطوات الحل تبدأ بجرأة كسر جدار الصمت والإنكار، والاعتراف بعبثية المسار الراهن، وفتح صفحة جديدة قائمة على الوحدة والتكامل، بدل الاستمرار في استدامة وهم الانقسام والتوتر.
وإلا… فستبقى *”جوج بغال”* أكثر من مجرد اسم. ستبقى عنوانًا لواقع مأساوي شاركنا جميعًا في صنعه، وعلينا الآن جميعًا أن نخرجه من التاريخ، لا أن نرثيه على قارعة الجغرافيا.
مع خالص المعذرة لكل الأشقاء الجزائريين والمغاربة عن استعمالي لمصطلح “جوج بغال”، الذي اضطررت باستعماله بكل مراراة، تعبيرا مني على السخط على واقعنا، وحبا فيكم عساي اثير مشاعركم واحثكم على التعقل والحكمة لتجاوز هذا الوضع وللمضي قدما نحو مستقبل مشرق لبلدينا العزيزين.
قال تعالى : *”وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا… ” (آل عمران:103)*.
صدق الله العظيم.
وقال: ” إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (88)”هود.
صدق الله العظيم.




