رأي

خطاب العرش غشت 2025 نحو عدالة مجالية وتحول استراتيجي في الرؤية الملكية

عزيز نصور كاتب وباحث

من خطاب المناسبة إلى وثيقة تحول

في الذكرى السادسة والعشرين لجلوسه على العرش، لم يوجّه جلالة الملك محمد السادس خطابًا احتفاليًا تقليديًا، بل قدّم خارطة طريق جديدة لمستقبل المغرب، عنوانها الأبرز: العدالة المجالية والفعالية المؤسساتية،  بموازاة سياسة إقليمية متوازنة. خطاب هذه السنة لم يكن تقييمًا للمنجزات بقدر ما كان تأسيسًا لمرحلة سياسية وتنموية جديدة، تدعو لإصلاحات عميقة في جوهر النموذج المغربي.

منالبناءإلىالعدالة الملموسة

حين قال جلالة الملك: “المغرب لا يمكن أن يسير بسرعتين“, كان ذلك تشخيصًا لخلل بنيوي في مسار التنمية. فرغم الإنجازات الكبرى في البنية التحتية، ما زال مواطنون كُثرخصوصًا في المناطق المهمشةيشعرون بالغُبن والحرمان.
وهنا، تتحول التنمية من مجرد أرقام ومشاريع إلى سؤال إنساني وأخلاقي:
كيف نحول البنية إلى كرامة؟
كيف نُترجم الإنجازات إلى إحساس حقيقي بالعدالة لدى المواطنين؟
الرسالة واضحة: لا تنمية حقيقية بدون إنصاف الجهات، وردم الهوة بين المغرب النافع والمغرب المهمش.

النخبة السياسية: من التموقع إلى الفعالية

بعيدًا عن لغة الأوامر أو المحاباة، حمل الخطاب دعوة ملكية صريحة: “تهيئة شروط انتخابات شفافة، ومؤسسات أكثر فعالية.” وهي دعوة تضع الفاعلين السياسيين أمام مسؤولياتهم، في لحظة دقيقة من تاريخ المغرب.
لقد ولّى زمن الخطابات والشعارات، وأصبح معيار الجدوى هو:
من يخدم المواطن؟ ومن يقدم الحل؟
وهنا يُطرح سؤال جوهري على النخب:
هل نحن بصدد تجديد فعلي في الفعل السياسي، أم إعادة إنتاج للرداءةبمسميات جديدة؟

الصحراء والجزائر: الواقعية بدل الانفعال

أعاد الخطاب التأكيد على مبادرة الحكم الذاتي كخيار جاد وذي مصداقية، دون التفريط في الثوابت الوطنية. لكنه بالمقابل، مدّ اليد مجددًا للجزائر بمنطقكرامة لا مواجهة“. فالمغرب اليوم لا يراهن على الاستفزاز أو ردود الأفعال، بل على التاريخ والمشروعية والحكمة، في وقت تتعاظم فيه عزلة الجارة الشرقية.
إنه عرض شجاع ومسؤول، يمنح للقيادة الجزائرية فرصة تاريخية لكسر الجمود، وفتح صفحة جديدة من التعاون، دون أن يُساء لأحد.

ما لم يُقَلأبلغ مما قيل

بذكاء لافت، تجنّب الخطاب الملكي  الخوض في بعض القضايا الآنية المثيرة، متل ازمة الأسعار أو التوترات الإقليمية المتقلبة. وهذاالصمت الاستراتيجييعكس طبيعة الملكية الرصينة التي تفكر بمنطق الزمن الطويل، وليست حق ضغط اللحظة.
فبعض الملفات تُدار بعيدًا عن أعين الإعلام والتصريحات، في كواليس مؤسساتية تشتغل بمنطق التحليل العميق، لا الانفعال أو التسرّع.

خاتمة: مغرب العدالة الفعلية

خطاب العرش لسنة 2025 ليس مجرد وثيقة رمزية، بل هو نداء للمراجعة،وبداية لمسار سياسي جديد عنوانه:
تنمية يشعر بها المواطن، وعدالة تتوزع على الجميع، ومؤسسات ترتقيإلى تطلعات الوطن.
إنه إعلان عن مغرب لا يريد أن يُقاس فقط بما يُنجز من مشاريع، بل بما يُؤمَّن من كرامة وإنصاف لكل مواطن، في كل قرية ومدينة.
الكرة اليوم في ملعب الحكومة، النخب، والجهات الفاعلة:
هل نستوعب اللحظة؟
أم نظل ندور في حلقة التبرير والتأجيل؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى