
لم أكن أريد أن أتحدث عن هذا المشهد، لولا أنني أعتبره نعمة تستوجب الذكرَ: فمن عادتي المرعيّة أنني أذكر الله سبحانه مائة مرّةٍ قبل الخروجِ لصلاة الفجر، وأُتْبِعُها بأذكارٍ أخرى بعدها. وفي هذه الجمعة حكَّ في روعي من غير تخطيطٍ ولا تبييتٍ مني أن أضاعِفَ على النبي ما استطعتُ، عسى الله أن يفتح لي بابَ خيْرٍ لا أتَوقّعُه في هذا اليوم المبارك.
وحينما تسلمت وثيقةَ الإعفاء من موظف المجلس العلمي الجهوي بين يدَيْ فضيلة رئيسه الموقّر، ارتاح قلبي واستيقنتُ أن هذا هو الفتحُ الذي كنتُ فيه راغباً، واتخذت صلاةَ النبي عليه السلام له في هذا اليوم – ولمّا يتوسّطْ – مركباً. والآن، والله، ثم والله لو عرضَ عليَّ السيد الوزيرُ أو غيرُه العودة إلى رئاسة المجلِس عَرْضاً يُوَثِّقُه بالأيْمان الغليظة، ويوقِرُه بمِلْءِ الأرضِ ذهباً ما عدتُ ولا التفتُّ ورائي، لأنني موقنٌ أن هذا هو باب الخير الذي استنجحْتُ به ربّي، قد انفتح لي على مصراعيْه، كيْ أؤَدّي دوراً علميّاً، بعدما كنتُ أؤَدّي دوراً وظيفيّاً، ولكيْ أقضيَ ما بقيَ من عمري في التأريخ لبلدتي الشامخة، وفي خدمةِ ديني خارجَ المؤسسة الرسميّةِ، والرؤية الرسميَّةِ، والمواقف الرسميّة، التي جردتني من استقلال فكري ومشاعري ومواقفي.
وحتى سبب الإعفاء الذي لم تشرْ إليه الوثيقةُ قبلته دون تعقيب أو مناقشةٍ لأنني استلمته تحت نظرِ من أكنُّ له كامل التقدير والاحترام، ففضلت أن أملأ فمي بماءِ نزار حتى لا أنطِقَ بما قد يتكدّر له، أو يبرد حرارة علاقتي به.
أما أنتم إخواني أخواتي، فلقد أبهرني انفعالكم وتفاعلكم، وأسعدتْني تعليقاتكم، وطارت بي مشاعركم النبيلة في سماوات ورديّةٍ ، حتى خفَّ جسمي – وهو الخفيفُ أصلاً – وأحسسْتُ كأنيّ فراشة طليقةٌ تسبح في فضاءٍ كأنه خُلِقَ للتوِّ.
إن تركيزكم على تدوينتي الغزّاويّة بغضِّ النظر عما احتجنتْه من تأويلاتٍ، وإنّ تفاعلكم الصادق معها هو شهادة حيّةٌ على وجود أحرارٍ في أمتنا، وعلى تعلقهم بالكلمة الحرّة، وانشغالهم بهموم الأمة، ودليلٌ على عمق المحبة والتقدير لكلِّ من يختار الاصطفاف إلى جانب الحقِّ في زمن الصمتِ والذِّلة والصغارِ والخذلان، سواءً كانت تدوينتي عن غزة هي السبب أم لم تكن، والله يقول الحقَّ وهو يهدي السبيل.
فشكرا لكم سابغا جزيلاً، نبيلاً منيفاً، يستمر بعد انقطاع تدويناتكم، وشكراً لكم سابغا جزيلاً، نبيلاً منيفاً، أعلقُه وساماً شريفاً لألاءً على جبيني، وأتخذه إمامي وأمامي مع بدءِ مرحلةٍ جديدةٍ من العملِ لله وبلدتي وأمتي. وأختم بما به بدأتُ: وداعاً للمجلس العلمي.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.




