
في زمن تتكاثر فيه الإعفاءات، ويُهمّش فيه صوت من تجرأ على قول الحق، صار لزامًا علينا أن نعيد طرح سؤال بسيط لكنه جوهري: هل ما زال للخطابة دور فعلي؟ وهل لا تزال المجالس العلمية تضطلع بوظيفتها الأصيلة؟
لطالما اعتبرتُ الرد على وزارة الأوقاف أو المجالس العلمية أمرًا غير مستحب، احتراما لمكانتها الرمزية. لكن الواقع الحالي يكشف عن تحولات مقلقة في تدبير الشأن الديني، من أبرز مظاهرها عزل الخطباء وإقصاؤهم، لا لسبب سوى أنهم عبّروا عن مواقف صادقة أو تفاعلوا مع قضايا الأمة والناس. وفي المقابل، تُفرض خطب جاهزة، تُتلى كما هي، في كل ربوع الوطن، وكأننا أمام نشرات موحدة لا تحتمل الاجتهاد ولا تأخذ بالخصوصيات.
في هذا السياق، تبرز مفارقة مؤلمة: ما جدوى امتحانات الخطباء واختباراتهم، إن كان المطلوب في النهاية مجرد قراءة ورقة؟ بل ما الفرق بين إمام مؤهل أكاديميًا وخطيب مواظب، وآخر لا يحمل سوى صوته وقدرته على القراءة، ما دامت الخطبة تُكتب وتُوزّع وتُفرض؟!
ولا نطرح هذه الأسئلة تهجمًا على المجالس العلمية أو الوزارة الوصية، بل نقدًا مسؤولًا لممارساتٍ تنال من جوهر وظيفة المسجد، ومن مكانة الإمام والخطيب. وفي الآن ذاته، لا ننكر الجهود الإيجابية المبذولة في مجالات أخرى كتحفيظ القرآن، والتكوين المستمر، وتدبير الشأن الديني.
لكن المسؤولية التاريخية تقتضي إعادة النظر في المنظومة ككل، والانطلاق من الرؤية الملكية السامية التي رسمت معالم الخطاب الديني الحقيقي، في عهد الملكين الراحل الحسن الثاني، والحالي محمد السادس.
رؤية ملكية مستنيرة
الملك الحسن الثاني، رحمه الله، قال بوضوح في أحد دروسه الحسنية:
“علماؤنا يجب ألا يبقوا محصورين في نواقض الوضوء، بل يواجهوا الغزو الخارجي والمادي، ويُعرّفوا بالإسلام بخصاله وتسامحه.”
كما نبّه إلى أن الشباب المغربي يعاني من فقر فكري وديني، وأن وظيفة العالم لا ينبغي أن تنحصر في المواعظ الكلاسيكية، بل في المواجهة الفكرية والوعي بالواقع.
أما جلالة الملك محمد السادس، فأكد في رسالة سامية إلى المجلس العلمي الأعلى سنة 2009 على أهمية:
“خطاب ديني توعوي وإرشادي، مبني على الاجتهاد المقاصدي، يوازن بين جلب المصالح ودرء المفاسد، مع مراعاة متغيرات الواقع.”
ودعا جلالته إلى إدماج هذا الخطاب في صلب المشروع المجتمعي، بما يخدم التنمية الروحية والفكرية للمغاربة.
دعوة للإصلاح لا التبرير
حين يُعفى خطيب من المنبر لأنه عبر عن نبض الناس، بينما يُحتفظ بآخر لمجرد انضباطه الشكلي، فإننا أمام خلل ينبغي تصحيحه لا تبريره. وحين تصبح الخطبة ورقة تقرأ، يفقد المنبر وظيفته التربوية والإرشادية، ويصبح الخطيب مجرد قارئ، لا مرشدًا ولا مربيًا.
فهل لا يزال للمجالس العلمية ما يبرر تنظيم امتحانات الخطباء؟
وهل بقي للمنبر هيبته إذا كانت رسالته تُملى؟
آن الأوان لمقاربة جديدة تعيد الاعتبار للمسجد والخطبة والعالِم، وفق ما نادى به ملوك المغرب، من الحسن الثاني إلى محمد السادس.
فمن حق الأمة أن يُخاطب وعيها، لا أن يُملأ فراغ وقتها فقط




