
في زمن تكاثرت فيه الأصوات المتحدثة باسم المرأة، وفي خضم زحام المصطلحات مثل “التمكين”، “الاستقلال”، و”المساواة”، يبرز المفكر المغربي الدكتور محمد طلال لحلو بموقف مختلف: لا يكتفي بالمطالبة بحقوق المرأة، بل ينتقد الطريقة التي تُستخدم بها هذه الحقوق لتكريس أنماط استهلاكية واستغلالية باسم التحرر.
فهل نحن أمام حركة تحرر فعلي؟ أم أن قضية المرأة أُدرجت ضمن منظومة رأسمالية، تحول الإنسان إلى أداة إنتاج، والأنوثة إلى سلعة؟
➢ الرأسمالية والنسوية: زواج غير معلن
يرى الدكتور لحلو أن النسوية الحديثة لم تعد حركة إنصاف اجتماعي بقدر ما أصبحت واجهة جديدة للرأسمالية، تتبناها المنظمات الكبرى وتدعمها الأسواق، لأنها ببساطة تخدم مصالحها.
فالمرأة العاملة المستقلة ماليا تنتج، وتستهلك، وتنافس، وتدفع الضرائب… إنها “زبون مثالي” للسوق.
وهكذا، يعاد تعريف التمكين ليصبح مرادفا للوظيفة والاجرة، بينما تهمش أدوار الأمومة، والرعاية، وبناء الأسرة، رغم أنها أدوار جوهرية في استقرار المجتمعات.
➢ “الاستقلال المالي” : الوجه الآخر للعبودية
الخطاب العام يمجد “استقلال المرأة ماليًا”، لكنه يغفل أن هذا الاستقلال غالبا ما يكون على حساب الصحة والنفسية للمرأة، واستقرارها العائلي، وسعادتها الوجدانية.؟
في الواقع المغربي، يرى الحلو ان هناك نساء وصلن إلى مناصب مرموقة، لكن كثيرا ما رافق ذلك توتر نفسي، ضغوط أسرية، أو حتى عزلة عاطفية.
وهنا تظهر مفارقة: هل التحرر يعني أن تعيش المرأة تحت ضغط الأداء المستمر، والتقييم الدائم؟
بين تحقيق الذات وضغط الواقع: نساء على حافة الإنهاك
حين تسعى المرأة اليوم إلى تحقيق ذاتها عبر المسار المهني، فإنها تدخل حلبة تنافسية لا ترحم، وغالبا ما يطلب منها مضاعفة الجهد لإثبات الجدارة في فضاء ما زال في عمقه ذكوريا.
وفي ظل خطاب إعلامي يمجد “المرأة الخارقة” التي تنجح في كل شيء: الوظيفة، الزواج، تربية الأطفال، والمظهر الأنيق حيث تجد المرأة نفسها أمام معادلة شبه مستحيلة.
وهنا يثير الدكتور لحلو تساؤلا مشروعا:
الا يتحقق كيان المرأة الا بخروجها للعمل؟
وهل يصبح الزواج أو الأمومة عبئا يجب تجاوزه كي تثبت أنها “حداثية” أو “ناجحة”؟
➢ الدين والنسوية: منطق الصراع أم التكامل؟
من القضايا المركزية في فكر طلال لحلو أن النسوية الغربية، كما تُصدّر للعالم الإسلامي، تُعرّف نفسها على أساس القطيعة مع المرجعية الدينية، وترى في الدين عائقا يجب تجاوزه.
لكن هذا الطرح، حسب لحلو، يتجاهل الإرث الإسلامي الذي أنصف المرأة وكرّمها، وجعل منها شريكة في الرسالة لا مجرد تابعة.
فالحرية لا تعني الخروج عن الفطرة، بل التوازن بين الذات والرسالة. وهنا، يبرز التحدي الحقيقي: كيف نعيد بناء خطاب يُمكّن المرأة دون أن يسلخها من هويتها؟
بين تقليد النموذج الغربي وصناعة بديل حضاري
لحلو لا يرفض أن تعمل المرأة أو تنجح أو تبرز في الشأن العام. بل بالعكس، يُشدد على أن المرأة المسلمة قادرة على الإبداع والعطاء داخل إطار يحترم فطرتها وهويتها.
لكنه ينتقد محاولة فرض نموذج واحد للنجاح: النموذج الليبرالي الغربي، الذي لا يعترف إلا بالفرد، ولا يقدّر إلا الكفاءة الاقتصادية.
في المقابل، يُطالب بــنسوية إسلامية راشدة، لا تعادي الرجل، ولا تفرّط في الأسرة، ولا تجعل المرأة تخجل من أمومتها.
خاتمة: تمكين لا ينسى قلب المرأة
تحليل الدكتور محمد طلال لحلو لموضوع المرأة يفتح أعيننا على بعد مغفَل في النقاش العام:
أن التمكين الحقيقي ليس في تقليد الرجل، ولا في إرضاء السوق، بل في أن تختار المرأة مصيرها بوعي، وتُنجز ذاتها وفق قيمها لا وفق ضغوط خارجية.
وإذا كنا نريد حقًا خدمة المرأة، فعلينا أن نحترم فطرتها، ونُتيح لها خيارات بديلة، لا أن نُقحمها في معركة لا تمتلك اسلحتها.
فالمرأة ليست مشروع استثمار رأسمالي، ولا كائنًا يجب “تحريره” من ذاته، بل روح إنسانية تحمل رسالة، وقلبا لا يجوز إغفاله باسم الأرقام والإحصاءات.




