منتدى القراء

أمة بلا حياء… هل انتصر الشيطان وراح ليستريح؟

عزيز أخواض يكتب:

أين ذهبت أمة الحياء والعفة، أمة القيم الرفيعة والتربية الصالحة؟ كيف أصبحنا أمة تلهث خلف التفاهة والعبث، تضحك لمظاهر الانحلال، وتصفق لأفعال تذكرنا بأسوأ فترات الجاهلية؟

في زمن ليس ببعيد، كان الحياء تاجًا يعلو رؤوسنا، كان الدين ينبض في صدورنا، يضيء عقولنا وقلوبنا، ويفرز أجيالاً تفتخر بقيمها، تصون شرفها، تحترم نفسها. اليوم، نرى انحطاطًا روحيًا غير مسبوق، انفلاتًا أخلاقيًا مدمرًا، أشياء كانت محرمة صار حضورها يوميًا مقبولًا، وكأننا نعيش إعادة إنتاج للجاهلية بألوانها القاتمة، من خمر ورقص وشذوذ وفوضى أخلاقية.

هذا الواقع ليس صدفة، ولا ضعفًا عابرًا، بل هو انتصار شيطان استغرق في خداعنا، رضينا به، بل ساعدناه بأيدينا أن يرسم طريق الانحطاط. قال الله تعالى:
“فَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنكرِ” \[النساء: 26]

والشيطان إذ يرى هذا الخضوع، هذا السكوت، هذا الانصياع، يضحك في قرارة نفسه، ويجلس ليرتاح بعد أن أتم مهمته بتفانٍ.

الصدمة الكبرى، أن الملايين يهرعون لحفلات الرقص الماجنة، والمراقص، وأشباه المتعة التي تقتل الروح، بينما تجد المحاضرات العلمية، والكلمات الحكيمة التي تبث نور التنوير، تنصرف عنها الجماهير. لماذا؟ لأن الفراغ الروحي، الفراغ القيمي، دفع الإنسان إلى التعلق بكل ما يسد جوع روحه حتى وإن كان سمًا قاتلاً.

المفكر الأمريكي تشارلز تايلور يقول في تحليله العميق للذات المعاصرة:
“حينما يفقد الإنسان الإطار القيمي والروحاني الذي يربطه بجذوره، يتهاوى إلى البحث عن ملذات مؤقتة ومظاهر سطحية تعوضه عن فقدان الهدف والمعنى.”

وكذلك الطبيب والفيلسوف الفرنسي ألكسيس كاريل الذي حذر منذ عقود من أن فقدان الاتزان الروحي والأخلاقي يولد مجتمعًا هشًا، تذوب فيه القيم وتصبح التفاهة هي السلطة الفعلية.

الموضوع لا يتوقف عند هذا الحد. العلاقات غير الشرعية التي انتشرت، والزنا، والشذوذ، هي أوبئة اجتماعية ضربت أساس المجتمع، وأدت إلى تفكك الأسر، وخلق أجيال مشوهة نفسياً وأخلاقياً، تبحث عن هوية في زمن لا يعرف فيه المرء من هو، ولا إلى أين يتجه.

كيف نبرر هذا التسامح أو الصمت حيال هذه الكوارث؟ أليس في ذلك مساهمة في استمرار الفساد؟ أليس من الواجب أن نتحرك بكل ما أوتينا من قوة للحفاظ على هويتنا وكرامتنا؟

ثم، هل نغفل عن القوى التي تعمل في الظلام لتدمير هذه الأمة من الداخل؟ مؤامرات تخطيطية تهدف إلى تفكيك الروح الإسلامية، زرع الفوضى والانحلال عبر وسائل الإعلام والترفيه المسموم، والابتذال الذي يسود الشاشات والفضاءات.

مالك بن نبي، المفكر الجزائري، تحدث عن أمراض التخلف التي ليست وليدة ظروف داخلية فقط، بل إن هناك استراتيجيات تُفرض على الأمة لإبعادها عن هويتها، وتحويلها إلى مجرد نسخة فارغة لا روح فيها.

لقد عشنا أيام الجاهلية، تلك الأيام التي أُرسل لنا فيها الرسول محمد ﷺ ليخرجنا من ظلماتها إلى نور الهداية. اليوم، نرى هذه الظلمات تعود من خلال أبواب أخرى، ولكن بنمط أكثر خطورة، لأنها تأتي من داخلنا نحن أنفسنا، ممن تركوا الدين وتركوا الأمانة.

في خضم هذا كله، هناك دعوة ملحة للصحوة، لانتفاضة الروح، لإعادة بناء النفس والمجتمع، ليس فقط بالتعليم النظري، بل بالممارسة الحقيقية، وبعودة إلى الحياء الذي كان يومًا صمام الأمان.

قال رسول الله ﷺ:
“إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فافعل ما شئت.”

إنه تحذير من انعدام الحياء، الذي يفتح الباب لكل فجور وفوضى.

وأخيرًا، هذا المقال نداء إلى كل إنسان يهمه أمر أمته، أن يقف وقفة حقيقية، لا للخضوع ولا للرضا بالواقع المأساوي، بل للنهوض بالوعي والعمل، قبل أن يكتب الله علينا الحساب في زمن لا ينفع فيه الندم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى