– هل بالاعتماد على أنفسنا والاستفادة من تجارب الآخرين أو بالذوبان في الآخر والانصياع لمقرراته الإديولوجية؟
– وأي نوع من البشر يمكن أن يحقق مشروع النهضة؟ وما هو المضمون الفكري الذي سيؤهله لخدمة هذا المشروع؟
– كيف يمكن تحقيق مشروع النهضة دون قيام تعليم هادف منطلق في أساسه من ذاتية الأمة وكينونتها ومتسلحة برامجه بمنطق العلم والإيمان والمعرفة؟
قد يبدو أن طرح مثل هذه الأسئلة أصبح متجاوزا نظريا لأنها وضعت منذ بدايات القرن العشرين، ولكن وإلى اليوم لم تلق جوابا شافيا، ولا زال الكثير يتخبط لأنه لم يسلك الطريق السوي. بل إن الإختيارات التي مُورست جلبت لأمتنا المتاعب والويلات، وبقي الناس يتذوقون المرارة ويدورون في الحلقة المفرغة، فالشعوب التي عاشت الحرمان وعانت ظلم الاستعمار ومن أدوات الاستبداد من بعده، ترى أن طرح مثل هذه الأسئلة ضروري لأن الناس يريدون الخروج من دائرة التخلف إلى دائرة البناء والابتعاد عن تقلب المناخات الإديولوجية. ولكن قبل مقاربة الجواب عن الأسئلة السابقة لا بد من المرور عبر أوليات : أولها إن مفهوم النهضة لا يتحقق ببعض الإنجازات الميدانية التي يُطلق عليها عادة بالبنية التحتية وفق التعبير الماركسي بل إن مشروع النهضة يحتاج إلى شرطين أساسيين : العلم والمعرفة وبناء الإنسان. وثانيهما : لا بد من قراءة المرحلة التاريخية بعناية فائقة لأنه كما يرى أحد المفكرين الغربيين من لم يقرأ التاريخ محكوم عليه بإعادته. وثالثهما : لا بد من الجواب عن السؤال المحرج ولكنه ضروري ولا مفر من طرحه وهو من نحن؟ لأنه لا بد من وضعه منذ البداية حتى نحدد الإطار الفكري والعقيدي الذي يتعين السير عليه والمنسجم والملائم مع الجواب عن السؤال من نحن؟ لأنه لا بد أن نعرف أنفسنا لأن الذات المعرفة هي التي تعرف ماذا تريد وماذا تفعل.؟ أما الذات النكرة فهي تعيش على هامش التاريخ لأنها فاقدة للذات والهوية ،وقد تحول البشر الذي اختار مسلك الذات النكرة إلى قطيع يساق حيثما اتفق ليصبح بعد ذلك ظاهرة صوتية يردد شعارات تملأ عليه. والسؤال كيف ننهض؟ طرح في الغرب منذ بدايات عصر النهضة الأوروبية وتولى الإجابة عليه :فرانسيس بيكون قائلا : بالعلم والمعرفة نسيطر على العالم. فالغرب حدد المسار منذ البداية متخذا في ذلك مجموعة من الإجراءات أولها قيام تعليم هادف ومستعد للاستفادة من تجارب الآخرين كما حصل فعلا .وهذا الموقف الغربي لم يكن غريبا عن التراث الإسلامي بقطع النظر عن دعوة القرآن والسنة إلى توظيف النظر العقلي والحث على العلم والمعرفة، فقد قال الإمام بن القيم في كتابه مفتاح السعادة ” لا تستقيم شجرة الإيمان إلا على ساق العلم والمعرفة ” ورغم هذا الموقف فقد أبى ثلة من أتباع الغرب من بني جلدتنا إلى التأكيد أنه لكي ننهض يتعين علينا الذوبان في الغرب وبالتبعية الكاملة له وبذلك حاول هؤلاء الأتباع الانصهار في رؤيته للحياة ومن ثم تدمير كل شيء له صلة بالإسلام :العقائد، العبادات، المعاملات ،الاقتصاد، سياسة الحكم، وترسيح عقلية الاستبداد، وقد بذل الاستعمار جهدا كبيرا لترسيخ فكرة أنه لكي تتحرروا من التخلف ينبغي ترك القيم الإسلامية وراء ظهوركم .ولكي لا يتهم هؤلاء بأزلام الاستعمار فقد تم تقديمهم على أنهم يمثلون التقدم والحداثة ،ولم يتفطن هؤلاء أن الحداثة إبداع وابتكار، وهؤلاء القوم غارقون في التبعية والتقليد والتفكير بعقل الآخر ،والنهضة لا يمكن أن تتحقق إلا باستقلال العقل والإرادة ورفض الوصاية ،ولا يمكن تحقيق مشروع النهضة في غياب الأخلاق فلا نهضة بدون قيم ولا نهضة بدون إنسان صالح ،لأنه لا يمكن تحقيق مشروع البعث والإحياء إلا على يد أهل العلم وأخلاق، فليس هناك حركة في التاريخ قادها المتخاذلون والتافهون، وعطفا على ما سبق لا يمكن لمجتمع التبعية والضحالة أن يحقق إنجازا لأنه فاقد الإرادة والقرار. وهذا الذي جعل الفيلسوف الألماني كانط يرى : أن الأنوار هي رفض الوصاية أي أن أفكر بعقلي وأحرر إرادتي من التبعية والإنصياع للآخر. فمشروع النهضة لا يمكن أن يتحقق بالسفلة والمرتشين والمنحلين وعباد الشهوات والأشياء الذين يرفعون شعار الرقص والعلاقات الرضائية، فتحرير الشعوب لم يتحقق إلا بتضحيات الأبطال وليس بالتافهين والساقطين. وكيف للنهوض أن يتحقق في ظل تعليم متآكل لم يعرف بعد وجهته. وإذا كانت
اللغة هي التي تتولى ضبط رؤيتنا عن الكون فكيف بتعليمٍ يريد تأطير أبنائه بلغةٍ أجنبية لها حمولة عن الكون مخالفةً لما نحن عليه . إن مشروع النهضة لا يمكن ان يتحقق إلا إذا توفرت شروط القيام وإلا بقي معلقاً إلى إشعار آخر، كما حصل لبلدان لم تحسم خيارها وظلت مترددة بين استقلال الإرادة والتبعية، فاستقلال العقل والإرادة من الشروط اللازمة لتحقيق النهضة فلابد من تكوين العقل والذات وبناء الشخصية لأن الذات النكرة الفاقدة للعنوان لا يمكن أن تحقق مشروعاً نهضوياً لأن النهضة لا يمكن أن تتحقق إلا بذات تعيي ذاتها وتعترف بها وتفكر بعقلها لا بعقول الآخرين ولها إرادة حرة ومستقلة من أجل تحقيق أهدافها .وإذا كان أحدهم يرى أن الفلسفة هي نتاج وعي الأمة لذاتها فأي وعي يتم إنتاجه في ظل التبعية وفقدان الإرادة؟ وإذا كان الأمر هكذا فيتعين علينا طرح التساؤل الآتي: أي نوع من البشر يمكن أن يحقق مشروع النهضة؟ وما هو المضمون الفكري الذي سيؤهله لخدمة هذا المشروع؟ إن الإنسان المسلم يرى أن النهوض لا يمكن أن يتحقق إلا بالإيمان بالله في كل مجالات الحياة ثم بالعلم والمعرفة والتركيز على بناء الإنسان وتربيته على مبدأ الاستقامة ورقابة الخالق ثم صياغة بنيات المجتمع على أساس مبدأ العبودية لله، وهذا يقتضي تكوين الكتلة التي تتولى تحقيق مشروع النهضة لكي نغادر مربع التخلف على كل الواجهات ،وهذا الأمر يتطلب حتماً تغيير عقلية الفرد ونفسيته وسلوكه من خلال مضمون الثقافة البانية السوية القائمة على المنهج التربوي الهادف، والغريب أن هناك من يطرح مسألة الاجتهاد في غير إطارها فإما يريد تبرير الواقع الذي يعيشه بالبحث عن أطر قانونية لأنه فشل في تكوين القاعدة التي تتولى تحقيق مشروع النهضة، وإما أنه أسير الرؤية الغربية التي تدعو إلى إعادة النظر في المفاهيم الإسلامية إجمالاً. لكن أثناء البناء كيف نعالج مشكلات المجتمع ؟ إن المنطقة يقتضي الانطلاق من ذاتية الأمة وكينونتها والإسلام هو الإطار الوحيد الذي ظل جامعاً لكل التشكيلات المجتمعية ولذلك هو البديل الأوحد لأن الرؤية الإسلامية قائمة على الحق والعدل، والسياسة الإسلامية هي تصريف للرؤية الإلهية للكون والحياة والإنسان من خلال تفريعات وقوانين مصاغة شريطة ألا تخالف المنطلق الذي انطلقت منه وهو الرؤية الربانية ،ولذلك فالإسلام ليس رأساً ذا شقين سياسة ودين، بل إن الدين سياسة والسياسة دين.




