رأي

من ذكر الله إلى ذكر الخصوم… البودشيشية بين خطاب الأمس وواقع اليوم

اطلالة بريس كمال عصامي

لسنوات طويلة، قدّمت الزاوية القادرية البودشيشية نفسها بوصفها مدرسة روحية تسير على نهج التصوف السني القائم على المحبة، الصفاء، الزهد، والتربية على الأخلاق. كان خطابها العلني يتغنى بـ”التسليم للشيخ”، و”تصفية القلب من الغل والحقد”، و”الابتعاد عن الخصومات”.

 

لكن البيان الصادر عن رابطة الشرفاء البودشيشيين بتاريخ 13 غشت 2025، جاء ليهدم هذه الصورة، ويكشف أن ما يحدث داخل الزاوية اليوم أقرب إلى صراع سياسي منه إلى خلاف روحي، وأن لغة الحب والتسامح قد أفسحت المجال لخطاب التخوين والتحشيد.

التصوف… لغة رحمة أم لغة اتهام؟

في الخطاب الصوفي التقليدي، كان الشيخ البودشيشي يُعلّم أتباعه أن: “المؤمن يلتمس لأخيه سبعين عذرًا”. أما البيان الأخير، فقد اختار طريقًا مختلفًا، فوصف المخالفين بـ:

“قوى الشر”، “محابر الشياطين”، “منابر الإسترزاقيين”، “المؤامرة الشيطانية”

بل أضاف:

”…فأحبطوا خطتهم الجهنمية الرامية إلى الإلتفاف على إرادة الشيوخ…”

هذه ليست لغة تزكية النفوس، بل لغة معركة هدفها شيطنة الخصم وإسقاطه أخلاقيًا أمام الأتباع.

من الزهد إلى التشبث بالمشيخة

يقدّم التصوف نفسه كطريق للزهد في الدنيا ومناصبها، لكن البيان أظهر أن المعركة كلها تدور حول كرسي المشيخة و”الوصية الشرعية”. إذ جاء فيه:

”…أي محاولة للانقلاب على وارث السر المحمدي… مخالفة لروح الدستور والقانون…

هنا يصبح الحديث عن “الدستور” و”إمارة المؤمنين” و”الشرعية” أقرب إلى خطاب الأحزاب والهيئات السياسية، لا إلى خطاب زاوية روحية.

بين الوحدة الروحية واستنفار الجهود

في التصوف، الوحدة تعني جمع القلوب على الذكر، لكن البيان يربطها باستعداد تنظيمي لمواجهة الخصوم، فيقول:

”…تحتفظ لنفسها باتخاذ جميع الإجراءات القانونية والقضائية، واستنفار كل جهودها وإمكانياتها صونًا للشرعية…”

كيف يمكن الجمع بين “الصفاء الروحي” و*“استنفار الجهود ضد الخصوم”*؟ أليس هذا أقرب لخطاب جبهة سياسية منه إلى حلقة ذكر؟

من التربية على التواضع إلى صناعة الزعيم

كان شيوخ البودشيشية الأوائل يربون المريد على إخفاء العمل والبعد عن المباهاة، لكن البيان بالغ في تمجيد الشيخ الجديد سيدي منير بوصفه:

“العارف بالله التقي النقي السامق الخلق، ذي الكفاءة العلمية والفكرية العالية، والشخصية الإسلامية العالمية الوازنة…”

هذا الخطاب يذكّر بأسلوب صناعة الزعيم الذي يقدَّم على أنه المنقذ الأوحد، وهو أسلوب يتنافى مع روح التواضع التي يفترض أن تميز التصوف.

الخلاصة: تناقض الخطاب والممارسة

يقدّم البيان، دون أن يقصد، صورة واضحة عن التحوّل الذي أصاب الطريقة:
• من المحبة إلى التخوين
• من الزهد إلى التشبث بالمشيخة
• من الوحدة الروحية إلى الاستنفار القانوني والتنظيمي
• من التواضع إلى صناعة الزعامة

 

وهذا التناقض بين القول والفعل يضع البودشيشية أمام أزمة أخلاقية قبل أن تكون أزمة قيادة. فحين يتحول الذكر إلى وسيلة تحشيد، والمشيخة إلى موضع نزاع، تسقط كثير من الشعارات، ويبقى السؤال الأهم:

هل نحن أمام طريقة روحية حقيقية، أم أمام تنظيم بشري يستخدم غطاء التصوف لإدارة صراع على النفوذ؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى