
قرأت الرسالة المفتوحة التي وجهها النقيب والحقوقي الأستاذ عبد الرحيم الجامعي إلى وزير العدل السابق والحقوقي الأستاذ مصطفى الرميد، ورسالة الرد التي رد بها الثاني على الأول. وقد أعجبني أسلوب نقاش الأستاذ الرميد لفحوى رسالة الأستاذ الجامعي، إذ كان أسلوب يجمع بين المحاججة القانونية الصلبة والنفَس الحقوقي والمنطق، ولن أكرر ما قيل في الردين لطول ذلك ويمكن لأي متابع أن يرجع إليهما بنفسه.
ولكن ما لاحظته في رسالة الجامعي استعمال أسلوب متحيز منذ البداية باستخدام عبارات لا هي من معجم القانون ولا هي من المعجم الحقوقي، مثل قوله عن تدوينة الرميد”وهي تحمل وعيد الإمام الرقيب المراقب لأتباعه ومريديه”. فهذه العبارات هي عبارات إقصائية تغلق مجال الجوار من البداية، لأن الرجل يوظفها للإيحاء بأن الرميد ينتمي إلى فكر معين، وهي عبارات تغني عن النقاش أصلا وتجعله بدون جدوى طالما أنه تم وضع الرميد في خانة معينة، وهذا أسلوب إقصائي وغير علمي لأنه يغلب الشكل على المحتوى.
إن كلمات مثل: وعيد، إمام، رقيب، مراقب، أتباع، مريدون، كلمات فيها تحيز إيديولوجي واضح، ورغم ما بين الرجلين من فروقات فكرية وحقوقية لا أرى لزوما لاستخدامها في موضوع الأهم فيه مناقشة جوانبه الفكرية والحقوقية والسياسية للوصول إلى الصواب، لكن تلك الكلمات أخرجت موقف الرميد من نطاق الصواب من البداية، ولذلك أرى أن ما كتبه الأستاذ الجامعي بعد تلك الكلمات مجرد كلام زائد لا يضبف شيئا، ما دام أن تلك الكلمات قامت بالدور المطلوب.
هذا هو الأسلوب الذي يستخدمه الكثير من العلمانيين في المغرب لقهر خصوهم لفظيا لا فكريا. فهم يصورون للناس أن كل من يخالفهم الرأي يعبر عن تيار معين وله مريدون وأتباع، رغم أن الأستاذ الرميد كما هو معروف قطع علاقته بالحزب الذي كان ينتمي إليه وأعلن اعتزاله للسياسة، ولكن اعتزال السياسة لا يعني اعتزال الوطنية، كما أن ممارسة السياسة في المغرب لا يعني الوطنية أوتوماتيكا، بل إن عددا من ممارسي السياسة اعتزلوا الوطنية، وهذا العدد يتسع بالتدريج وقد اتسع.
وإذا كان الأمر يتعلق فعلا بالمريدين والأتباع فإن التيار العلماني في المغرب هو الأكبر أنصارا والأكثر نفيرا، ويكفي إلقاء نظرة سريعة على الإعلام لكي نعرف هذه الحقيقة.
لقد أسيء إلى العمل الحقوقي في المغرب من بعض الحقوقيين، لأنهم جعلوا حقوق الإنسان رديفا للمس بحق الآخرين في وطنهم، وحقهم في التعبير عن رأيهم في بلدهم، وبل جعله البعض سلطة معنوية لحماية السفهاء الذين يظهرون بين الحين والآخر، بجيث أصبجت الحقوق تعني الدفاع عن العقوق.



