اقتصاد

التمويل التشاركي: بين الوعد وخيبة الأمل، ما آفاقه في المغرب؟

روصافي امين خبير في التمويل البديل

مقدمة

منذ ظهوره في المغرب، أثار التمويل التشاركي آمالاً كبيرة. فقد قُدِّم كبديل قائم على قيم العدل، وتقاسم المخاطر، والاستثمار في الاقتصاد الحقيقي، وكان يُنتظر منه أن يشكّل نفساً جديداً لتمويل ريادة الأعمال والابتكار والاقتصاد الاجتماعي.

لكن بعد متابعة مسار انتشاره، أجد اليوم أن هناك فجوة واضحة بين الطموحات الأولى والواقع الملموس للعرض المتاح. الخلاصة بسيطة: التمويل التشاركي، في نسخته المغربية، تقلّص عملياً إلى عرض بنكي يكاد ينحصر اجمالا في المرابحة و خصوصا المرابحة العقارية.

1. التمويل التشاركي ≠ البنوك التشاركية

من المهم منذ البداية التمييز بين مفهومين غالباً ما يُخلط بينهما.
• التمويل التشاركي: نموذج أشمل يقوم على الاستثمار، تقاسم المخاطر، والتمويل التضامني.
• البنوك التشاركية: منطق تجاري بحت يقوم على تدبير الودائع، منح التمويلات، واحترام قواعد الحيطة البنكية.

وفي المغرب، غلبت الكفة للبعد الثاني. إذ جرى حصر التجربة في نشاط بنكي تقليدي، مما أضعف الأثر التحويلي الذي كان من المفترض أن تحمله تجربة التمويل التشاركي، حيث جرى سجنه داخل منطق مصرفي يفضل الأمان على حساب الابتكار والاستثمار.

2. مفارقات نموذج غير مكتمل

أ- مفارقة الخطاب والممارسة

رغم أن التمويل التشاركي جاء ليقطع مع منطق القرض بالفائدة، إلا أن ما نُفِّذ عملياً لم يكن سوى إعادة إنتاج للآليات البنكية القائمة. المرابحة مفيدة في حد ذاتها، لكنها تظل عملية تمويل فردية، بعيدة عن الروح الأصلية التي أكدت على الشراكة، والمشاريع المشتركة، وتقاسم المخاطر.

ب- مفارقة الفرصة الضائعة

على الصعيد الدولي، هناك العديد من النماذج التي تبرز قدرة التمويل التشاركي على أن يكون محركاً قوياً للتنمية:
• المستثمرون الافراد الأوائل (Business Angels) الذين ينخرطون إلى جانب رواد الأعمال، ليس فقط برؤوس أموالهم، بل بخبراتهم وشبكات علاقاتهم أيضاً.
• الصناديق التشاركية ومنصات التمويل الجماعي التي توجه المدخرات نحو مشاريع ذات قيمة مضافة عالية، في مجالات مثل الابتكار، والانتقال الطاقي، والاقتصاد الاجتماعي والتضامني.
• المقاولون المجددون الذين يبتكرون نماذج هجينة قادرة على الجمع بين الأداء الاقتصادي، والأثر الاجتماعي، والالتزام بالقيم الأخلاقية.

تؤكد هذه الأمثلة أن التمويل التشاركي يمكن أن يصبح رافعة استراتيجية، شرط التحرر من المنظور البنكي الضيق، والعودة إلى جوهره: الاستثمار والابتكار.

3. ما آفاق التمويل التشاركي في المغرب؟

لكي يستعيد التمويل التشاركي روحه الأصلية في المغرب، لا بد من تفعيل عدة روافع:
• توسيع الإطار التنظيمي بما يسمح بتطوير أدوات الاستثمار التشاركي (المشاركة، المضاربة، الصكوك الموجهة للمقاولات الصغرى والمتوسطة، الصناديق التشاركية).
• تحفيز المنظومة المقاولاتية عبر تمكين التمويل التشاركي من دعم الابتكار، وتمويل الشركات الناشئة، وبنيات الاقتصاد الاجتماعي.
• إيجاد جسور تعاون بين المؤسسات المالية، والمستثمرين الخواص، ورجال الأعمال الافراد الأوائل ، والقطاع العام لتوجيه الرساميل نحو مشاريع إنتاجية ذات أثر اجتماعي.
• ترسيخ ثقافة تقاسم المخاطر لتجاوز المنطق التجاري البحت، والعودة إلى الفلسفة التأسيسية: الاستثمار الجماعي في خدمة التنمية.

خاتمة

لم يفِ التمويل التشاركي في المغرب بعدُ بجميع وعوده. فقد تقلّص بسرعة إلى مجرد بنوك تشاركية ومنطقها التجاري، ناسياً جوهره الأول: أن يكون أداة استثمار، وتقاسم للمخاطر، وتحول اقتصادي واجتماعي.

والتحدي اليوم ليس في استنساخ نماذج مستوردة، بل في الاستفادة من النجاحات العالمية لبناء مسار مغربي خاص بالتمويل التشاركي، مسار يجمع بين الوفاء لمبادئه التأسيسية والاستجابة لحاجات الاقتصاد الوطني.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى