مجتمع

إشكالية حجز الدراجات النارية بين القانون والمسؤولية: من يتحمل وزر الخلل؟

القاسمي عبدالاله

رغم أن الحكومة قررت إرجاء تطبيق القرار الصارم القاضي بحج ز كل الدراجات النارية ذات المحرك العادي التي تتجاوز سرعتها 57 كلم/الساعة، إلا أن النقاش حول هذه النازلة لم ولن ينتهي. بل لعلّ من واجب الصحافة والرأي العام العودة إلى تفاصيلها للوقوف على مكامن الخلل وتحديد المسؤوليات، حمايةً للمستهلك، وضماناً لشفافية السوق، واحتراماً للقانون.

المستهلك: الحلقة الأضعف

لا جدال أن الآلاف من مالكي الدراجات النارية – ولا نتكلم هنا عمن يسعون طواعية لتعديل وتزويد المحرك – وجدوا أنفسهم في قلب عاصفة لم يكونوا طرفاً فيها من الأصل. هؤلاء اقتنوا دراجاتهم من محلات تجارية قانونية، ووفق وثائق رسمية تؤكد أن المحركات مستوردة بشكل عادي وتستجيب للمعايير. المشتري البسيط لم يكن يوماً خبيراً تقنياً ليفحص سرعة محرك أو يختبر قدرته، بل اعتمد على ثقة مفترضة في السوق وعلى الضمانات التي تقدمها الفواتير وشهادات المطابقة. ومع ذلك، وجد نفسه فجأة متهماً بشكل غير مباشر ومُعرضاً لفقدان وسيلة تنقله بعد أن تأكدت السلطات، عبر أجهزة القياس، أن دراجته تتجاوز السرعة القانونية.

 

رجال الأمن: منفذون للقانون

من الإنصاف القول إن رجال الأمن المكلفين بعملية المراقبة والحجز لا علاقة لهم بجذور المشكلة. هم ببساطة يقومون بتنفيذ القانون، مستندين على معطيات تقنية واضحة يبرزها جهاز المراقبة. لذلك فإن أي انتقاد يوجه لهم يفتقد للموضوعية، ما دام تدخلهم يدخل في صميم واجبهم الوظيفي. لكن الإشكال الحقيقي يكمن في مكان آخر: لماذا يتم الاكتفاء بحجز الدراجات دون مساءلة من زوّد السوق بمحركات تتجاوز المعايير؟

الموردون والتجار: المسؤولية المسكوت عنها

هنا تطرح الإشكالية الكبرى. فإذا كانت الدراجات تُستورد بشكل رسمي وتدخل عبر قنوات قانونية، فمن الطبيعي أن تمر عبر عدة مستويات من المراقبة: الجمارك، مصالح النقل، ووكالات المراقبة التقنية. وإذا كان المستورد أو التاجر يطرح في السوق دراجات بمحركات تفوق السرعة المسموح بها دون أن يشير إلى ذلك في وثائق البيع، فإن المسؤولية الأخلاقية والقانونية تقع مباشرة على عاتقه.
إن غض الطرف عن هذه الحلقة من السلسلة يترك المستهلك أعزل في مواجهة القانون، ويُظهر خللاً في مراقبة السوق قد يُفقد المواطن ثقته في المؤسسات.

الحكومة والوكالات الوصية: الرقابة الغائبة

القرار الحكومي الأخير بتأجيل الحجز قد يُفهم كخطوة لتخفيف الاحتقان الاجتماعي، لكنه لا يعالج لبّ الإشكال. فالمطلوب اليوم ليس فقط تعليق التنفيذ، بل وضع آليات صارمة لضبط الاستيراد والتوزيع، وتوضيح المعايير بدقة للرأي العام.
الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية (نارسا) ومعها مصالح الجمارك والمراقبة التقنية، مطالبة بإعادة النظر في مساطر إدخال الدراجات النارية، وضمان أن أي منتوج يدخل التراب الوطني مطابق تماماً للمواصفات القانونية. فغياب التنسيق بين هذه المؤسسات هو ما سمح بحدوث هذا الالتباس.

نحو حل عادل ومتوازن

إذا كان الهدف هو حماية السلامة الطرقية والحد من السرعة المفرطة، فإن الطريق لا يمر عبر تحميل المستهلك وحده كلفة الاختلال. الحل يكمن في:

تحقيق شفاف يحدد المسؤوليات بين الموردين والجهات الرقابية.

تسوية انتقالية تنصف المالكين الحاليين عبر إعادة ضبط محركاتهم أو تعويضهم.

صرامة استباقية في المراقبة عند الاستيراد، حتى لا تتكرر الأزمة.

حملات تواصلية لتوضيح المعايير الجديدة للمواطنين، بدل تركهم عرضة للمفاجآت.

خاتمة

القانون يجب أن يطبق بعدالة، لكن العدالة لا تتحقق إلا حين يوزع عبء المسؤولية بشكل متوازن بين جميع الأطراف. اليوم، المواطن البسيط هو من يدفع الثمن الأكبر في معركة لم يكن طرفاً فيها. السؤال الذي يظل معلقاً: هل تتحلى الحكومة بالجرأة الكافية لمحاسبة الموردين والوسطاء التجاريين، كما تُحاسب المواطن العادي؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى