ثقافة وفن

الشباب بين فكي طوطو وسعد لمجرد…

بقلم الدكتور عبد الصمد السالمي ـ متخصص في قضايا الشباب والمجتمع.

بداية التسعينيات حصل تحول جذري خطير في المنظومة التعليمية التي غيرت مناهجها بالشكل الذي نتج عنه الهدر المدرسي من جهة وضعف البنية التربوية الفكرية لدى التلاميذ على ماكان عليه قبل ذلك.
وعلى سبيل المثال في الحي الذي كنت أسكنه رغم كونه حيا غير مهمش بل يكاد يرتقي درجات إلى الحي الراقي أو يقرب منها ( حي بورنازيل بالدار البيضاء ) نظرا لمكوناته العلمية والثقافية وعلى جميع المستويات، أصبح الهدر المدرسي ظاهرة بارزة بشكل مخيف حيث لا يكاد التلاميذ يجاوزون مرحلة الإعدادي حتى قال تلميذ من أهل الحي ” إتفق تلاميذ الحي أن يتركوا التمدرس عند مستوى الرابع إعدادي.
صاحب الهدر المدرسي إيداع مسلسلات مكسيكية بالقناة الأولى لوى الشباب أعناقهم إليها بله الجمهور كمسلسل ” أنت أو لا أحد ” و مسلسل ” كوادالوبي ” الذي دوخ المغاربة قاطبة حتى تم إستدعاء بطلة المسلسل إلى المغرب والتي لم تكن تصدق أن عملها وصل إلى هذه الدرجة من الإنبهار مقابل دول أخرى تم فيها عرض المسلسل، والسبب أن المغاربة لم يألفوا هذا النوع من المسلسلات التي اعتمدت قوة الإثارة وضغط الأحداث وجمال الممثلين الباهر.
إلى جانب هذه المسلسلات انتشرت بين الشباب لعنة أغاني الراي التي اكتسحت الشباب المغربي من خلال أغاني ” الشاب حسني ” و ” الشاب نصرو” وغيرهم من الشباب حاكاهم بعض المغنين المغاربة.
وكلمات الراي كلمات ” مبتذلة ” تتناول مواضيع العشق المحرم والموبقات بموسيقى أخادة ملكت على الشباب كياناتهم النفسية ودمرت ملكاتهم الفكرية.
لم يتوقف الأمر عند هذا الحد فقد برز إلى السطح ” أفلام الفيديو ” وتم فتح محلات خاصة لتبادل الأفلام وكانت مواضيعها لا تجاوز أفلام العنف والجنس والمخدرات والعصابات وكل أشكال تدمير الهوية والشخصية المغربية لشباب قال عنه النبي صلى الله عليه واله وسلم ” الشباب غرس الإسلام ”
فجر كل هذا أيضا بروز ظاهرة ” التصاحيب ” لدى المراهقين وقد كان جيلنا يستحي أن يحادث الجنس الٱخر ويعتبره خطا أحمر.
بالنسبة للجانب الرياضي أضحى متنفسا للشباب عبر تشجيع الفريق المفضل خاصة ( الرجاء و الوداد ) بالدارالبيضاء وبدل مناقشة مواضيع هادفة كما كان العهد بالنسبة إلى جيلنا ونحن نقف في زوايا الزقاق أصبحت مناقشة المواضيع الرياضية هي الحديث اليومي والذي تجاوز الأمر فيها إلى السب والقذف بل والعنف الدموي.
وإذن صرنا أمام مختبر فئرانه الشباب المغربي حيث مورس في حقه كل الجرم بدءا من نسف المنظومة التعليمية إلى كل ما ذكرنا، فبرز للواجهة شباب مهزوز مهزوم لا يتطلع لمستقبل ولا هدف له في الحياة ، شباب سقط بين أحضان الجريمة وملأ أجنحة السجون وامتلكه الشيطان الفسق والفجور.
واستمر للأسف هذا السقوط في أوهاق الرذيلة والضياع الشامل العام لم يتخذ معه المسؤولون أي مبادارت بل ولم يحركوا اتجاهه ساكنا حتى باغتتهم منظومة حقوق الإنسان الأممية التي توصي بل تؤكد على عدم التعرض لحقوق الشباب وتركه يمارس حريته بالشكل الذي يريد دون اعتبار لنتائج هذه الحرية المدمرة.
وطبعا انحاز بعض الفنانين كسعد لمجرد وطوطو وغيرهما – وأنا انزع عنهما صفة فنان لأن الفنان مسؤول، رسالي، يبني ولايهدم يبدأ من حيث انتهى المكون الديني يواكبه ويصقله وينمي الذوق الرفيع الذي يؤسس إلى الجانب الفكري الشخصية المطلوبة.
تناول ـ أشباه الفنانين ـ مواضيع يحبها هؤلاء الشباب فقد هيئت لهم الظروف منذ بداية التسعينيات تحديدا، وأصبح لهم جمهور ـ وإن كنت أنزع عنهم صفة الجمهور أيضا ـ فالجمهور صفة معتبرة لها صفاتها وخصائصها منها الالتزام والتحضر والرقي المجتمعي العام ـ لا يدخل حلبة المهرجان إلا وقد تناول جرعات من المخذرات والحبوب المهلوسة ولا غرابة إذا كان قزم مثل ” طوطو ” يغني وهو يدخن على المنصة المخذرات أمام أعين السلطات.
إننا أمام وضع مأساوي يعاني فيه الٱباء ولا يستطعيون فعل شيء، وإنه مالم تتظافر جهود المسؤولين وعلى جميع المستويات وحماة الشأن الديني على وجه الخصوص ـ رغم الجهود المبذولة ـ والجمعيات والٱباء وكل مكونات المجتمع من إيقاف هكذا تسونامي مدمر فإننا سنتهاوى إلى أسفل سافلين كما حدث القرٱن بذلك، وسوف يضيع منا الزخم الحضاري الذي بناه المغاربة عبر عصورهم التاريخية وقد نجد أنفسنا مستقبلا أمام ” شباب الزومبي”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى