
خلال مقابلة مع قناة “آي 24” الإسرائيلية الثلاثاء الماضي، صرح رئيس الوزراء الإسرائيلي بالقول “أشعر أنني في مهمة تاريخية وروحانية، وأنا مرتبط عاطفيا برؤية إسرائيل الكبرى”. وعقب هذا التصريح الأخير الذي تحدث فيه نتن-ياهو عن “إسرائيل الكبرى”، وحددها بالتدقيق الخرائطي والطوبوغرافي معا موضحا، بما لا يدع مجالا للشك، أن كل ما تتضمنه رؤيته يتأسس من خلال ضمّ لأجزاء كبيرة من أراضي سوريا ولبنان ومصر وكذا الأردن، وطبعا الضفة الغربية ومما تبقى من فلسطين المحتلة.
وقد كان التصريح واضحا لا لبس فيه، لاغموض ولا إبهام، بعيدا عن أي حديث عن مجازفة سياسية في الظروف الراهنة الشديدة الحساسية، بل إن كل الخطابات السياسية السابقة لرئيس وزراء الكيان، مند السابع من أكتوبر 2023 حتى يومنا هذا، حافظت، على وزنها الإستراتيجي المتعالي ولغتها غير السياسية الفظة والمباشرة لكل العالم لاسيما قادة العالم العربي حين أمرهم بالصمت وكان له ما أراد.
ولم يكن بإمكان الخبراء السياسيين الأكثر سوداوية في التحليل، في كل العالم، أن يجازفوا بالقول إن قادة العالم العربي سوف يكتفون بالتنديد المحتشم، وسلوك مسلك النأي بأنفسهم عن هكذا أسلوب سياسي والتقليل من شأنه، بل كل التكهنات كانت تميل إلى المنطق السياسي الطبيعي الذي يرجح أن يكون لرؤساء وزعماء هذه الدول العربية بعض من النخوة والحزم السياسي للرد اللائق والمناسب على الخرجات الإعلامية ولاسيما هذا “التصريح الأخير”.
وبالرغم من الأثر الذي أحدثه هذا التصريح في الطعن المباشر في سيادة هذه الدول، والتأكيد على السياسة التوسعية التلمودية لهذا الكيان على حساب دول الجوار، إلا أن صمت القبور كان هو الغالب على الساحة السياسية العربية، اللهم إن كانت هناك تفاهمات تمت من قبل في كواليس السياسة التي لا يعلمها إلا الله. ولعل أبسط ما يمكن فهمه من التصريح الأخير هذا أو من خلال لغة الوعيد التي غالبا ما تطبع لغة نتن-ياهو أن ثمة تهديد واضح المعالم للأمن القومي لهذه الدول العربية مجتمعة مما سوف يعجل بزوال عروشها بعد تشكيل الخريطة الجديدة للمنطقة المدعومة بشكل كامل من واشنطن.
لكن ما الذي يجعل هذه الدول تفشل مجتمعة حتى في إنتاج اللغة الصريحة لرد قوي، وتبني الخطاب السياسي المناسب، المناهض لتطلعات وطموحات نتن-ياهو التلمودية وإرادته السياسية نحو فرض خريطة جديدة للمنطقة عنوة؟ ما الذي أخرص الحكام العرب دفعة واحدة فيتواروا عن الأنظار مخافة الظهور لشعوبهم بمظهر العاجز المنبطح؟ ما حجم الفساد الذي تورطت فيه هذه النخبة العربية الحاكمة مع الصهاينة حتى يتحولوا إلى معاقين ذهنيا، سلوكيا ووجدانيا في وادي الذئاب السياسي؟
إن الشعوب العربية والإسلامية لم تعد لها سعة من الزمن لمزيد من الصبر على حكام لم يأتوا يوما بعز ولا بشرف بل كل ما أتوا به قهر، ذل ومعرة لشعوب أمة يتذكر التاريخ جيدا أمجادها ولا تستحق أن تساس بعقلية الزريبة. هذه الشعوب التي لم تعد تحتمل اليوم سلوكهم الذي يوحي بخيانات كاملة الأركان لِما بقي من كيانها ومقدساتها؟
الآن وحين حاولت هذه الدول العربية والإسلامية أن تستأسد يوم الجمعة 15 أغسطس الماضي فتمارس حقها في الرد من خلال بيان مشترك صدر عن وزراء خارجية 31 دولة، جاء في سياق حديثها التذكير بضرورة احترام القانون الدولي، والمواثيق الدولية وضرورة الحرص على الأمن والسلم الإقليمي والدولي، مذكرين العالم أن نتن-ياهو مطلوب لدى المحكمة الدولية في جرائم حرب اقترفها ضد أطفال ونساء غزة، وأن كل تصريحاته وكل ما يقوم به من إبادة جماعية في غزة وفلسطين كلها ليس إلا امتدادا لنهج الاحتلال القائم على الغطرسة وتأجيج الأزمات والصراعات.
كل هذا كلام الوصفي، الإنشائي، البئيس والمهزوم لم يرقى إلى تطلعات الشعوب العربية والإسلامية التي يبدو على أنها تجاوزت مرحلة القبض على الجمر إلى مرحلة إلقائه في وجوه هؤلاء الحكام.
جميل أن نسمع هذا الكلام من الحكام العرب فهُم تلاميذ نجباء في القانون الدولي يقفون عند حدوده ويحترمون مواثيقهم الدولية وأنهم منخرطون فيها بدون تحفظ، لكن ما يغيب عنهم أن حكوماتهم هي وحدها وغيرها من البؤساء من يجب أن تمتثل لهذه القوانين، وأن هذا الحذق وهذه الخفة في التعامل الإيجابي مع القانون الدولي لا نجدها عند أعداء هذه الأمة، وهم صانعو هذا القانون الدولي على أهوائهم وصانعو المنظومة القيمية والأخلاقية التي تناسب تطلعاتهم السياسية والإقتصادية فلماذا التمسك التافه والغبي بخيط الدخان هذا الذي كُشف حَوَلُه؟
ربما على الحكام العرب أن يحددوا مواقفهم بوضوح كاف دون تستر، وهم الذين أرادوها أن تبقى رمادية حتى يتسنى لهم اللعب على الحبلين في مرحلة لا يحسدون عليها، وهي مرحلة قاسية وفارقة فعلا. ربما على الحكام العرب اليوم أن يدركوا أنه عندما يتحدث العالم، كل العالم عن جرائم حرب مكتملة الأركان، وإبادة جماعية واضحة ومسلسل القتل الممنهج من خلال التجويع والحصار لأكثر من 17 سنة لقطاع يضم أكبر كثافة سكانية في العالم تعيش الهشاشة والفقر، فلا أعتقد أن لغة التنديد والشجب، تلك اللغة البالية، تلك اللغة الإنهزامية، مناسبة وحجم المصيبة التي تلحق يوميا بهم وبكياناتهم العربية التي يراها الغرب بعين الإزدراء بالرغم من أنهم يرونها في أنفسكم دولا لها سيادة ولها قرارات سيادية ولها .. ولها.. لكنها في الحقيقة لا تملك من نفسها شيئا فيختاروا إما أن ينضموا إلى شعوبهم ويركبوا السفينة أو يغرقهم الطوفان القادم من القطاع لأنهم ربما لن يستطيعوا إيقافه بالرغم بالمال الذي صرفوه والتطبيع الذي انخرطوا فيه ضدا على الشعوب، ربما لأن دورة التاريخ اكتملت مرة أخرى لتبدو معالم تغييرات جذرية في الأفق القريب.




