
المقدمة
شهد العقدان الأخيران تحولاً لافتاً داخل بعض دوائر السلفية الجهادية، تمثل في تبني قوالبالعمل الحقوقي، مثل البيانات والوقفات والشهادات وتنسيقيات الدفاع عن المعتقلين. هذا التحوليثير تساؤلات جوهرية، خاصة وأن الحقل الحقوقي كان يُنظر إليه سابقاً داخل هذه الدوائر علىأنه “قانون وضعي” و“مشروع أممي” يتنافى مع المرجعية العقدية للسلفية الجهادية. تفترضهذه الدراسة أن هذا التحول لم يأتِ عبر تأصيل معرفي منهجي داخلي، بل كان استجابةلضغوط موضوعية فرضتها التغيرات الإقليمية والدولية، وعلى رأسها موجات الاعتقالالواسعة بعد عام 2003، والخبرة السجنية التي اكتسبها العديد من أفراد هذا التيار، بالإضافةإلى البراغماتية المتزايدة في إدارة العلاقة مع الدولة والإعلام، ومحاولة بناء شرعية مدنية فيسياقات جديدة.
مشكلة البحث وأهميته
تكمن مشكلة البحث في فهم طبيعة هذا التحول غير المسبوق في سلوك السلفية الجهادية، والتيكانت تاريخياً ترفض الانخراط في الأطر القانونية والمدنية. إن غياب التأصيل المنهجيالمسبق لهذا الانخراط يطرح تحدياً لفهم الديناميكيات الداخلية لهذه الجماعات، وكيفية تكيّفها معالواقع المتغير دون مراجعة عقائدية صريحة. تبرز أهمية هذه الدراسة في كونها تسعى إلىتقديم تحليل معمق لهذه الظاهرة، مما يسهم في فهم أعمق للحركات الإسلامية بشكل عام،والسلفية الجهادية بشكل خاص، في سياق تفاعلها مع مفاهيم الحداثة وحقوق الإنسان. كما أنهاتفتح آفاقاً جديدة للبحث في العلاقة بين الفكر الديني والممارسة السياسية والاجتماعية
أسئلة الدراسة
سؤال مركزي: كيف ولماذا انفتحت شرائح من السلفية الجهادية على الحقل الحقوقي بدونتأصيل سابق، وما هي أنماط هذا الانفتاح وحدوده؟
أسئلة فرعية:
تفترض هذه الدراسة أن التحول نحو تبني العمل الحقوقي لدى السلفية الجهادية هو في الأساستحول تكتيكي ، مدفوع بضغوط واقعية وحاجة للدفاع عن النفس وبناء شرعية في مواجهةالقمع، وليس نتيجة لمراجعة عقائدية أو تأصيل منهجي لمفهوم حقوق الإنسان. كما تفترض أنهذا التبني قد أدى إلى استنساخ قوالب عمل حقوقي جاهزة من تيارات أخرى (يسارية/مدنية) دون تكييفها مع المرجعية العقدية، مما يخلق تناقضات وإشكالات مفهومية.
تتكون هذه الدراسة من عدة فصول، تبدأ بمقدمة تحدد الإطار العام للبحث. يلي ذلك فصلمخصص للإطار النظري الذي يستعرض المفهوم التقليدي لحقوق الإنسان في الفكر السلفيالجهادي والعوامل الدافعة للتحول. ثم تنتقل الدراسة لتحليل العوامل البنيوية والسياقية التي أدتإلى هذا الانفتاح. بعد ذلك، سيتم تفصيل أنماط التعاطي المختلفة مع الحقوق لدى الفاعلين ذويالخلفية الجهادية، مع دراسة كيفية استنساخ القوالب الحقوقية. ستناقش الدراسة أيضاً مسألةالمراجعات المعرفية، وتختتم بتقديم إطار مقترح لـ“حقوقي إسلامي” يراعي المرجعية العقديةدون مصادمة للقانون الوطني والمواثيق الدولية، بالإضافة إلى الخاتمة والتوصيات.
الإطار النظري: السلفية الجهادية وحقوق الإنسان
لفهم التحول الذي طرأ على تعاطي السلفية الجهادية مع الحقل الحقوقي، من الضرورياستعراض الإطار النظري الذي يحكم هذا التحول، والذي يتضمن المفهوم التقليدي لحقوقالإنسان في الفكر السلفي الجهادي، والعوامل الدافعة لهذا التحول، والتمييز بين “التوظيفالحقوقي” و“التأصيل الحقوقي”، بالإضافة إلى مفهوم “التأصيل المعرفي المنهجي” فيالحركات الإسلامية.
المفهوم التقليدي لحقوق الإنسان في الفكر السلفي الجهادي
تاريخياً، نظرت السلفية الجهادية إلى مفاهيم حقوق الإنسان والقانون الوضعي والمواثيق الدوليةبعين الريبة والرفض، واعتبرتها متناقضة مع مرجعيتها العقدية القائمة على مبدأ “الحاكمية لله” ورفض أي تشريع غير مستمد من الشريعة الإسلامية. كان الانخراط في هذه المفاهيم يُنظرإليه على أنه “مداهنة” للأنظمة “الطاغوتية” أو للكفر العالمي، وأنها “آليات تغريبية” تتنافى معالشريعة [1]. فمثلاً، كان منظرو السلفية الجهادية الكبار مثل أبو محمد المقدسي وأبو قتادةالفلسطيني يؤكدون على مركزية العقيدة ورفض الانخراط في أي خطاب إصلاحي أوديمقراطي.
هذا الرفض لم يكن مقتصراً على الجانب النظري، بل امتد ليشمل الممارسة، حيث كانتالجماعات السلفية الجهادية تركز على الجهاد المسلح لإقامة دولة الخلافة وتطبيق الشريعة،معتبرة أن أي محاولة لتحقيق الحقوق عبر القنوات المدنية أو القانونية هي انحراف عن المنهجالصحيح. كانت مفاهيم مثل “العدالة” و“الحرية” و“حقوق الإنسان” تُعتبر جزءاً من “مشروعأممي” يهدف إلى علمنة المجتمعات الإسلامية وإبعادها عن هويتها الدينية.
على الرغم من هذا الموقف العقائدي الصارم، شهدت السلفية الجهادية تحولاً ملحوظاً فيتعاطيها مع الحقل الحقوقي، وهو تحول لم يكن نابعاً من مراجعة فكرية داخلية بقدر ما كاناستجابة لضغوط موضوعية وعوامل سياقية متعددة [1]. يمكن إجمال هذه العوامل فيما يلي:
الخبرة السجنية: تعتبر الخبرة السجنية عاملاً محورياً في تفسير هذا التحول. فالسجون، التيكانت تهدف إلى عزل هؤلاء الأفراد، تحولت في كثير من الأحيان إلى فضاءات للتفاعلوتبادل الأفكار. داخل السجون، احتك العديد من قيادات وأفراد السلفية الجهادية بفاعلين منتيارات فكرية وسياسية أخرى، مثل الإسلاميين السياسيين والليبراليين، الذين يمتلكون خبرةسابقة في العمل الحقوقي والمدني. هذا الاحتكاك أتاح لهم فرصة الاطلاع على آليات العملالحقوقي، وأهمية استخدامها في الدفاع عن النفس [2].
علاوة على ذلك، فإن الظروف القاسية داخل السجون، من سوء معاملة وانتهاكات، دفعتالمعتقلين أنفسهم إلى المطالبة بحقوقهم الأساسية، مما فرض عليهم التعامل المباشر مع مفاهيمحقوق الإنسان. هذه التجربة الشخصية مع الظلم والانتهاك ساهمت في بلورة وعي جديد بأهميةالحقوق، حتى وإن لم يكن هذا الوعي مبنياً على تأصيل عقائدي مسبق، بل على الحاجة الملحةللدفاع عن الذات [2].
البراغماتية في إدارة العلاقة مع الدولة والإعلام: مع تزايد الضغوط الأمنية وتضييقالخناق على الحركات الجهادية، أصبحت هناك حاجة ملحة لإدارة العلاقة مع الدولةوالإعلام بشكل أكثر براغماتية. فبدلاً من الرفض المطلق، بدأت بعض هذه الجماعاتتستخدم لغة حقوق الإنسان لتجميل صورتها، أو لنفي الاتهامات الموجهة إليها، أو لكسبتعاطف الرأي العام المحلي والدولي [1]. هذا التكتيك سمح لهم بالتقاطع مؤقتاً مع أجنداتمدنية أو حقوقية دون إعلان تنازل عقدي.
محاولة بناء شرعية مدنية في سياقات ما بعد “الربيع العربي”، حيث انهارت بعض الأنظمةوظهرت مساحات جديدة للعمل السياسي والمدني، سعت بعض الفصائل الجهادية إلى بناء نوعمن الشرعية المدنية، خاصة في المناطق التي سيطرت عليها أو كان لها نفوذ فيها. هذا تطلبمنهم تبني خطاب أقرب إلى هموم الجماهير، واستخدام مصطلحات مثل “المظلومية السياسية” و“العدالة الاجتماعية” و“قمع الحريات” و“الأنظمة الديكتاتورية” [1].
هذا التحول في الخطاب يهدف إلى كسب تأييد السكان المحليين، وتجنيد الدعم، والتقاطعمؤقتاً مع أجندات مدنية أو حقوقية أوسع. فبدلاً من خطاب “تحكيم الشريعة أو القتاللإعلاء كلمة الله”، صار الخطاب يُصاغ أحياناً ضمن سرديات أقرب إلى “الدفاع عنكرامة المسلمين” و“حماية المستضعفين”. هذا التغيير في اللغة يعكس محاولة للتكيف معالبيئة الجديدة، والبحث عن مصادر للشرعية تتجاوز الشرعية الدينية التقليدية، لتشملالشرعية الشعبية والمدنية
الفرق بين “التوظيف الحقوقي” و“التأصيل الحقوقي”
من الأهمية بمكان التمييز بين “التوظيف الحقوقي” و“التأصيل الحقوقي” في سياق هذهالدراسة:
نفترض أن التحول في السلفية الجهادية يندرج في الغالب تحت “التوظيف الحقوقي”، وليس“التأصيل الحقوقي”، وهو ما يفسر غياب المراجعات الفكرية العميقة التي تعيد تعريف الحقوقوالحريات من داخل مرجعيتها.
مفهوم “التأصيل المعرفي المنهجي” في الحركات الإسلامية
يشير “التأصيل المعرفي المنهجي” في سياق الحركات الإسلامية إلى عملية بناء فهم شاملومتكامل لمفهوم أو قضية معينة، استناداً إلى الأصول الشرعية (القرآن والسنة) والمقاصدالكلية للشريعة، مع مراعاة الواقع المعاصر وتحدياته. هذه العملية تتضمن:
على عكس الحركات الإسلامية الأخرى التي خاضت تجارب تأصيلية معمقة في مجالاتمختلفة (مثل الاقتصاد الإسلامي، أو الفقه السياسي)، يبدو أن السلفية الجهادية لم تخض تجربةتأصيلية مماثلة في مجال حقوق الإنسان، مما يجعل تعاطيها مع هذا الحقل أقرب إلى الاستجابةللواقع بدلاً من البناء المعرفي المنهجي [1].
أنماط التعاطي مع الحقوق لدى فاعلين ذوي خلفية جهادية
نخلص إلى رصد ثلاثة أنماط رئيسية للتعاطي مع الحقوق لدى فاعلين ذوي خلفية جهادية،وهي أنماط تعكس درجات مختلفة من التكيف في مواجهة الضغوط الواقعية، دون أن ترقىبالضرورة إلى مستوى المراجعة الفكرية العميقة أو التأصيل المنهجي. هذه الأنماط هي: التعاطي التكتيكي الاحتجاجي، التعاطي الإدماجي المدني، والتعاطي التأويلي الإصلاحي.
يمثل هذا النمط الشكل الأكثر شيوعاً وبداهة للتعامل مع الحقل الحقوقي لدى السلفية الجهادية. وهو يقوم على استخدام آليات العمل الحقوقي كأداة مؤقتة لتحقيق أهداف محددة، دون الإيمانالجوهري بمبادئ حقوق الإنسان أو الاعتراف بشرعية الأنظمة القانونية التي تستند إليها. ينشأهذا النمط بشكل أساسي كاستجابة مباشرة للضغوط الأمنية والقضائية، خاصة في سياقاتالاعتقالات الجماعية والانتهاكات التي يتعرض لها أفراد التيار [1, 2].
الخصائص والأمثلة:
حدود هذا النمط وإشكالاته المفهومية:
2. التعاطي الإدماجيالمدني(دراسة الحالة المغربية
يمثل هذا النمط تطوراً للتعاطي التكتيكي، حيث يتجاوز مجرد الاستخدام المؤقت لأدواتحقوقية إلى محاولة إدماج بعض الفاعلين ذوي الخلفية الجهادية في الأطر المدنية والسياسية،وإن كان ذلك لا يعني بالضرورة مراجعة عقائدية شاملة. تبرز الحالة المغربية كنموذج مهملهذا النمط، خاصة بعد تفجيرات الدار البيضاء عام 2003 وما تلاها من حملات اعتقالواسعة [2].
الخصائص والأمثلة في الحالة المغربية:
.3 التعاطي التأويلي الإصلاحي
يمثل هذا النمط الشكل الأكثر عمقاً وتأصيلاً للتعاطي مع حقوق الإنسان من داخل المرجعيةالسلفية، وإن كان هذا النمط لا يزال محدوداً ونادراً في سياق السلفية الجهادية. يقوم هذا النمطعلى محاولة بناء فهم جديد لمفاهيم حقوق الإنسان من داخل الأصول الشرعية، وتكييفها بمايتوافق مع مقاصد الشريعة، بدلاً من رفضها أو استخدامها تكتيكياً. هذا يتطلب مراجعة فكريةومنهجية قد تؤدي إلى تغييرات في العقائد أو الممارسات.
الخصائص والأمثلة:
حدود هذا النمط:
تُظهر هذه الدراسة أن تحول السلفية الجهادية نحو تبني قوالب العمل الحقوقي هو ظاهرة معقدةومتعددة الأوجه، لا يمكن اختزالها في تفسير واحد. فبينما كان الحقل الحقوقي يُنظر إليهتاريخياً بعين الريبة والرفض من قبل هذا التيار، إلا أن الضغوط الواقعية والعوامل السياقية،خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 وموجات الاعتقال الواسعة، دفعت بالعديد من الفاعلينذوي الخلفية الجهادية إلى التكيف مع هذه المفاهيم والآليات. وقد رصدت الدراسة ثلاثة أنماطرئيسية لهذا التعاطي: التعاطي التكتيكي الاحتجاجي، التعاطي الإدماجي المدني (مع التركيزعلى الحالة المغربية)، والتعاطي التأويلي الإصلاحي.
تؤكد الدراسة أن النمط الغالب في هذا التحول هو “التوظيف الحقوقي”، الذي يستخدم مفاهيموآليات العمل الحقوقي كأداة براغماتية ومؤقتة لتحقيق أهداف محددة، مثل الدفاع عن المعتقلينأو تحسين الصورة، دون أن يترتب على هذا الاستخدام أي تغيير جوهري في المرجعيةالفكرية أو العقائدية للجماعة. وقد برزت الحالة المغربية كنموذج مهم للتعاطي الإدماجيالمدني، حيث شهدت محاولات لإعادة إدماج بعض قيادات التيار في المجتمع، وإن كانت هذهالمحاولات تواجه تحديات كبيرة بسبب غياب بنية تنظيمية متماسكة للتيار في المغرب،واستمرار الحذر الأمني.
أما النمط التأويلي الإصلاحي، الذي يسعى إلى بناء فهم عميق لمفاهيم حقوق الإنسان من داخلالمرجعية العقدية والفكرية للجماعة، فيظل نادراً جداً في سياق السلفية الجهادية، ويواجهمقاومة داخلية شديدة، مما يعكس صعوبة التوفيق بين المرجعية السلفية الجهادية الصارمةومفاهيم حقوق الإنسان العالمية.
.
[1] السلفية الجهادية بين التكيف الإيديولوجي والانخراط الحقوقي. (2025, June 30). rassdalmaghrebe.com. https://rassdalmaghrebe.com/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D9%81%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%87%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%A9-%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%83%D9%8A%D9%81-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%8A%D8%AF%D9%8A%D9%88%D9%84/ [2] حوار حول الجهاديين السلفيين في المغرب. (2015, February 17). Carnegie Endowment for International Peace. https://carnegieendowment.org/sada/2015/02/an-interview-on-moroccan-salafi-jihadis?lang=ar [3] “السلفية الجهادية” بالمغرب تعود للواجهة. (2012, December 3). الجزيرة نت. Retrieved from https://www.aljazeera.net/news/2012/12/3/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D9%81%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%87%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%A9-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%BA%D8%B1%D8%A8-%D8%AA%D8%B9%D9%88%D8%AF [4] السلفية الجهادية في المغرب: خلايا عابرة أم تنظيم مهيكل؟. (2025, May 31). العمق المغربيhttps://al3omk.com/1074802.html [5] قيادي سلفي: لم تتوفر بعد شروط تأسيسحزب لنا بالمغرب. (2013, April 1). AA. https://www.aa.com.tr/ar/archive/%D9%82%D9%8A%D8%A7%D8%AF%D9%8A-%D8%B3%D9%84%D9%81%D9%8A-%D9%84%D9%85-%D8%AA%D8%AA%D9%88%D9%81%D8%B1-%D8%A8%D8%B9%D8%AF-%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B7-%D8%AA%D8%A3%D8%B3%D9%8A%D8%B3-%D8%AD%D8%B2%D8%A8-%D9%84%D9%86%D8%A7-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%BA%D8%B1%D8%A8/259683




