رأي

الطرق الصوفية بين الحقيقة والرسوم

بقلم أحمد الشقيري الديني

يوافق شهر ربيع الأول الهجري من كل سنة حركية غير معتادة للطرق الصوفية بكافة أنحاء العالم الإسلامي احتفاء بالمولد النبوي الشريف.
ومن أعجب ما يقام في هذه المناسبة على موائد هذه الطرق إحياء كل بدعة وضلالة بالرقص والجذب والاختلاط والطواف بالقبور والتمسح بها طلبا للبركة، زاعمين أنهم يظهرون بذلك حبهم وتعلقهم بالمصطفى صلى الله عليه وسلم وتقربهم بذلك كله إلى الله، وكأنهم لم يسمعوا قوله تعالى: (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم)..
تساهم احتفالات المولد النبوي في حركية اقتصادية ظرفية تستفيد منها حرف وصناعات ظرفية وباعة متجولون ومواصلات وبيع الدواجن والقرابين التي تهدى للأضرحة، وتشوب هذه الاحتفالات انحرافات أخلاقية وبدع عقدية وشعوذة ومنافسة على استقطاب المريدين.
وبعد أحداث الحادي عشر من شتنبر ازداد اهتمام مراكز البحث الغربية بهذه الطرق الصوفية، وتم تشجيعها وإحياء ما اندثر منها باعتبارها تمثل الإسلام السكوني الذي يريده الغرب بديلا عن إسلام الجهاد والإسلام السياسي، ولوحظ حضور السفير الأمريكي أو من يمثله هذه الاحتفالات ببعض البلدان.
ورغم الجهود التي بذلتها السلفية الخصم التقليدي للصوفية، في نقد البدع ومظاهر الشرك والانحراف الأخلاقي المصاحب لهذه الاحتفالات كاختلاط الرجال بالنساء، والرقص أثناء الذكر، وبعض مظاهر الانحراف العقدي: كالتمسح بالقبر، والاستغاثة بالمقبور، والتبرك بالضريح، والذبح عنده وطلب قضاء الحاجات من ساكنه، مما يعد من خصوصيات الربوبية، فقد انتعشت هذه الطرق الصوفية في العقد الأخير بمجرد توجيه الإتهام للسلفية كمؤجج للصراع والصدام بين الحضارات، مما يطرح التساؤل عن ثمرة المسيرة النقدية وجدوى الصراع الذي خاضته السلفية مع الصوفية منذ منتصف القرن الماضي، مستفيدة من الإمكانيات المادية الهائلة التي رصدت لها من مداخيل البترول.
*بين صوفية الأمس وصوفية اليوم*
يرجع شيخ الإسلام ابن تيمية ظهور المتصوفة إلى زمان التابعي الجليل حسن البصري، فيقول : (أول ما ظهرت الصوفية من البصرة، وأول من بنى دويرة للصوفية : بعض أصحاب عبد الواحد بن زيد من أصحاب الحسن البصري. وكان في البصرة من المبالغة في الزهد والعبادة والخوف ونحو ذلك، ما لم يكن في سائر أهل الأمصار. ولهذا كان يقال : فقه كوفي وعبادة بصرية … وكان فيهم طوائف يصعقون عند سماع القرآن، ولم يكن في الصحابة من هذا حاله) …
ويقول الإمام الغزالي في المنقذ من الضلال: (وكان حاصل عملهم قطع عقبات النفس والتنزه عن أخلاقها المذمومة، وصفاتها الخبيثة، حتى يتوصل بها إلى تخلية القلب من غير الله تعالى، وتحليته بذكر الله).
قلت : هذا حال القوم في بداياتهم، أما اليوم فلا ينقضي عجب المراقب لأحوالهم، كيف ساءت أخلاق كثير من المنتسبين إليهم، حتى أضحت المواسم التي يقيمونها أوكارا للشعوذة والسحر وقبلة لطلاب المتعة والدعارة والشذوذ الجنسي …
ويقول الزاهد معروف الكرخي: (التصوف الأخذ بالحقائق، واليأس مما في أيدي الخلائق، فمن لم يتحقق بالفقر لم يتحقق بالتصوف) ..
وسئل الشبلي عن حقيقة الفقر فقال: (ألا يستغني بشيء دون الحق … والصوفي هو الذي يكون دائم التصفية، لا يزال يصفي الأوقات عن شوب الأكدار بتصفية القلب عن شوب النفس .. وكلما تحركت النفس وظهرت بصفة من صفاتها، أدركها ببصريته النافذة، وفر منها إلى ربه)…
قلت: هذا إذا كانت له بصيرة نافذة، أما مشايخ الوقت فإنهم يتنافسون على أعلى مقامات الولاية بالدعاوى الباطلة، فهذا الغوث وذاك القطب وآخر قطب الأقطاب، ومن يزعم أن الولاية انتهت إليه وأن سائر الأولياء يستمدون منه أو أن قدمه على عنق كل ولي !! ومنهم من يزعم أنه يتصرف في الكون، وإنما قوله للشيء كن فيكون بإذن الله!! وهذا من الضلال البعيد … وغايتهم في ذلك إرهاب الناس وتخويفهم من بركة الولي المزعوم، فيشد الناس إليهم الرحال يتساقطون عند أقدامهم ويتمسحون بآثارهم ويستغيثون بجاههم، فيزدادون بذلك صولة وانتفاخا واستعلاء !
يقول الإمام ابن القيم في مدارج السالكين: (ولله در الشيخ أبي مدين حيث يقول : من تحقق بالعبودية، نظر أفعاله بعين الرياء، وأحواله بعين الدعوى، وأقواله بعين الافتراء. وكلما عظم المطلوب في قلبك، صغرت نفسك عندك، وتضاءلت القيمة التي تبذلها في تحصيله، وكلما شهدت حقيقة الربوبية وحقيقة العبودية، وعرفت الله، وعرفت النفس : تبين لك أن ما معك من البضاعة لا يصلح للملك الحق) …
قلت : وهذا مصداقا لقوله تعالى : (فلا تزكوا أنفسكم، هو أعلم بمن اتقى).
وقوله سبحانه : (ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا)
يقول الإمام ابن القيم في منزلة المحاسبة: (وأما سوء الظن بالنفس فإنما احتاج إليه، لأن حسن الظن بالنفس يمنع من كمال التفتيش، ويلبس عليه، فيرى المساوئ محاسن، والعيوب كمالا… ولا يسيء الظن بنفسه إلا من عرفها، ومن أحسن ظنه بنفسه فهو من أجهل الناس) … إلى أن قال : (وحاصل ذلك : أن جهله بنفسه وصفاتها وآفاتها وعيوب عمله، وجهله بربه وحقوقه وما ينبغي أن يعامل به، يتولد منهما رضاه بطاعته، وإحسان ظنه بها، ويتولد من ذلك : من العجب والكبر و الآفات ما هو أكبر من الكبائر الظاهرة من الزنا، وشرب الخمر، والفرار من الزحف ونحوها … فالرضا بالطاعة من رعونات النفس وحماقتها) ..
قلت : الحقيقة أن هؤلاء المشايخ الذين ولدوا على حصير من ذهب وورثوا الولاية كابرا عن كابر، هم ضحايا الهالة التي يحيطهم بها العامة، والتقديس الذي يلقونه من مريديهم، والمبالغة في الإطراء الذي يسمعونه صباح مساء، حتى ليخيل لبعضهم أنه قد سقطت عنه التكاليف، أو أن الناس إنما يرزقون بفضل وجوده بين أظهرهم، وتدفع عنهم البلايا ببركته …
التصوف بالمغرب يعرف اليوم منعطفا خطيرا إذ تتبناه فئة من المثقفين لا يستهان بعطائها في المجال الأدبي والفلسفي ومجال العلوم الإنسانية، مما سيساهم بدون شك في البناء النظري لقضايا التصوف صحيحه وفاسده..
يقول الدكتور معتز الخطيب في مقال منشور على موقع الجزيرة نت:
“فالتصوف يستند إلى تقليد طويل، عماده مصادر عديدة من أبرزها أعمال الحارث المُحاسِبي (243هـ) والحكيم الترمذي (نحو 320هـ) وأبي بكر الكَلاباذي (380هـ) وأبي عبد الرحمن السُّلَمي (412هـ) وأبي القاسم القُشيري (465هـ)، وعبد القادر الجيلاني (561هـ) وشهاب الدين أبي حفص السُّهْرَوَردي (632هـ) صاحب عوارف المعارف، وغيرهم.
وقد تأثر علم التصوف -في بعض مراحله- ببعض الفلسفات مما يصح أن يطلق عليه “التصوف الفلسفي” كما لدى محيي الدين بن عربي (638هـ) وعبد الحق بن سبعين (669هـ) وشهاب الدين الشيرازي المعروف بمُلا صدرا (1050هـ) وغيرهم”..انتهى
إن ذكرى المولد النبوي الشريف مناسبة لإحياء سنة النبي صلى الله عليه وسلم ومدارسة لسيرته العطرة ودعوة لعالمية رسالته الخالدة، لا مناسبة لنشر البدع والخرافات وإماتة سنته صلى الله عليه وسلم.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا (10)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى