
مؤسف حقاً هذا الوضع الذي نعيشه، وأتحسر وقلبي يعتصر ألماً حين أرى كفاءات علمية تُسخر علمها في خدمة الباطل وتزيين صور المجرمين. ما معنى أن يكون لدينا دكتور جامعي يصفق للظلم، أو يكتب دفاعاً عن الفاسدين؟ ما جدوى الشهادات العليا إن لم تحصّن أصحابها من الانحراف؟ إن العالم الحقيقي ضمير الأمة وحارس الحقيقة، أما الذي يبيع علمه فهو صعلوك متعلم، وخطره أشد من الجاهل، لأنه يمنح الباطل لباساً من الشرعية الأكاديمية. وقد حذرنا القرآن الكريم من هذا الصنف حين قال: “وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُواْ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ” \[البقرة: 42].
حينما فتحنا أعيننا أطفالاً في الخامسة أو السادسة، كان أول مكان ندخله هو “المسيد”. هناك تعلمنا الحروف الأولى من القرآن، وحفظنا السور القصيرة، وتلقينا أول دروس الانضباط والأخلاق. لم يكن “المسيد” مجرد مكان للتلقين، بل كان مدرسة للروح والضمير. وقد قال الحسن الثاني رحمه الله: “لقد دخلنا المسيد صغاراً، فوجدنا فيه مدرسة للوطنية، ومدرسة للأخلاق، ومدرسة لتعلم القرآن.” هذا الرابط بين التعليم والقيم هو ما نفتقده اليوم، فالجامعة التي تنفصل عن القرآن وعن الأخلاق تتحول من منارة إلى سوق للشهادات، ومن مصنع للقادة إلى ورشة لتخريج موظفين بلا روح.
ما نراه اليوم من فضائح بيع الشهادات وسرقة الأبحاث والتسلق الأكاديمي بالمحسوبية ليس إلا وجهاً من وجوه الفساد الأكاديمي. والأسوأ أن بعض “النخب” لا تكتفي بالسكوت، بل تصفق للباطل وتلمّع صور المجرمين. هؤلاء أخطر من الساسة الفاسدين أنفسهم، لأنهم يفسدون الضمير الجمعي باسم العلم. فالجاهل خطره محدود، أما الأكاديمي المنحرف فخطره مضاعف، لأنه يسخر علمه للباطل.
أين نحن من أمتنا في القرون الماضية؟ أمة أنجبت الإمام الغزالي الذي قال: “العلم بلا عمل جنون”، وأنجبت يونس أمره الذي جمع بين العلم والإيمان فقاوم الظلم بالشعر والعقيدة، وأنجبت ابن خلدون الذي أدرك أن الحضارة تنهار حين ينفصل العلم عن العدل. أين نحن من ابن النفيس مكتشف الدورة الدموية، ومن ابن الهيثم رائد البصريات، ومن الرازي وابن سينا، الذين صنعوا جيلاً من خيرة الأطباء والمهندسين، لا من “المندسين” في دواليب الفساد والمحسوبية؟ هؤلاء العلماء لم يروا في العلم وجاهة اجتماعية أو وسيلة للارتزاق، بل أمانة ومسؤولية ورسالة حضارية.
إننا لا نعمم، بل نحن نقيّم الوضع الإسلامي كما هو واقعاً اليوم. ومن المؤسف أن انهيار بعض مؤسساتنا التعليمية والأكاديمية هو انعكاس لتفكك المنظومة القيمية، وليس انعكاساً للروح الحقيقية للأمة الإسلامية التي أنجبت حضارات وعلماء. الفساد الأكاديمي سرطان يلتهم جسد الأمة بصمت، ولن تنهض الأمة إلا إذا تم توجيه العلم لخدمة الخير، وربطه بالقيم القرآنية، فلا علم بلا ضمير، ولا نهضة بلا أخلاق.
إن القرآن يأمرنا بالعلم النافع: “وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا” \[طه: 114]. والعلم النافع ليس تكديس معلومات، ولا شراء شهادات، بل علم يحرر الأمة ويقيم العدل بين الناس. إنني أكتب هذه الكلمات وقلبي يعتصر ألماً على واقعنا، لكني أؤمن أن الأمل ما زال قائماً إذا عدنا إلى المسار الصحيح، إذا صنعنا جيلاً جديداً، على خطى الغزالي وابن النفيس وابن خلدون، جيلاً من خيرة الأطباء والمهندسين والعلماء، لا من المندسين والمصفقين. الأمة التي تربط علمها بالقرآن لا تخشى الانحراف، والأمة التي تبيع علمها للباطل لا تستحق النهضة، ولكن نحن قادرون على إعادة بناء ما تهدم، بالعلم المرتبط بالضمير، وبالتربية المستندة إلى قيم الحق والعدل.




