رأي

عصيد وازدواجية الموقف من حرية التعبير

بقلم كمال عصامي

مرة أخرى يخرج علينا الكاتب والباحث أحمد عصيد بتعليق على قضية أثارت جدلاً في الرأي العام، ويتعلق الأمر بقرار وزارة الأوقاف عزل خطيب مسجد الغفران بالقنيطرة، مصطفى قرطاح، على خلفية تدوينة له على صفحته في “فيسبوك” انتقد فيها بطريقة غير مباشرة “التفاهة” التي باتت تُسوَّق باسم الفن، في إشارة إلى الحفل الذي أحياه المغني المثير للجدل “طوطو”.

عصيد قدّم موقفه بالقول إنه مع “حرية التعبير القصوى”، لكنه في الوقت ذاته برّر قرار الوزارة بدعوى ما سماه “واجب التحفّظ”، معتبراً أن من يتولى منبراً دينياً رسمياً لا يحق له التعبير عن مواقفه الفكرية أو السياسية في الفضاء العمومي، لأن صفة الخطيب تمنحه تأثيراً مضاعفاً يجعل رأيه يتجاوز كونه رأياً شخصياً.

لكن المثير في موقف عصيد هو هذا التناقض الصارخ بين الدفاع المعلن عن حرية التعبير وبين تقييدها عندما يتعلق الأمر برجال الدين أو العلماء. فالدكتور قرطاح لم يلقِ خطبته في المسجد عن “طوطو”، ولم يستعمل المنبر للتحريض أو التحامل، بل عبّر في صفحته الخاصة – كأي مواطن – عن موقف أخلاقي من ظاهرة يعرف الجميع أنها مثار نقاش وجدال. فهل يَسقط عنه حقه كمواطن في حرية التعبير لمجرد أنه خطيب؟ وهل يتحول الخطيب إلى مجرد “موظف صامت” يُمنع من التعبير إلا فيما تسمح به الإدارة؟

ثم إن عصيد الذي يدعو إلى حرية التعبير المطلقة في نقد الدين والنصوص والمقدسات، يبدو هنا منسجماً مع موقف الدولة أكثر من انسجامه مع المبدأ الذي يتبناه دائماً. فهو يقبل بحرية التعبير عندما تمارس ضد الإسلام ورجاله، لكنه يتحفظ عليها عندما يمارسها العلماء أو الخطباء في نقد مظاهر التفاهة والانحطاط الثقافي. وهذه ازدواجية لا تخفى على أحد.

إن حرية التعبير مبدأ لا يتجزأ: إما أن نؤمن به للجميع، أو نلغيه عن الجميع. أما أن يتحول إلى أداة انتقائية تسمح لفئة بالنقد وتمنع أخرى بدعوى “واجب التحفظ”، فهذا لا يخدم لا الديمقراطية ولا التعايش.

لقد أثبت التاريخ أن العلماء والدعاة ظلوا شوكة في حلق دعاة التغريب، وأن محاولات إقصائهم لم تثمر سوى مزيد من التعاطف الشعبي معهم. وما كان أجدى بعصيد، إن كان صادقاً في دفاعه عن الحرية، أن يطالب بإعادة الاعتبار لحق الخطباء في التعبير خارج منابرهم، لا أن يبرر طردهم بذرائع إدارية واهية.

إن الدفاع عن حرية التعبير لا يُقاس بمدى توافق الرأي مع ذائقتنا أو قناعاتنا الفكرية، وإنما بمدى استعدادنا للقبول بأن يعبّر المختلف معنا عن رأيه بحرية. وما وقع مع مصطفى قرطاح يفضح مرة أخرى هشاشة الخطاب الذي يرفع شعارات الحرية حين تخدم معاركه، ثم يتنكر لها حين تصدر عن خصومه

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى