
انطلاقا من حديث أحرجه الحاكم، وابن مردويه، عن عليٍّ رضي الله تعالى عنه قال: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم في غَزاةٍ، وخَلَّفَ جَعْفَراً في أهْلِهِ، فَقالَ جَعْفَرٌ: واللَّهِ لا أتَخَلَّفُ عَنْكَ. فَخَلَّفَنِي؛ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أتُخَلِّفُنِي! أيَّ شَيْءٍ تَقُولُ قُرَيْشٌ؟ ألَيْسَ يَقُولُونَ: ما أسْرَعَ ما خَذَلَ ابْنَ عَمِّهِ وجَلَسَ عَنْهُ؟ وأُخْرى: أبْتَغِي الفَضْلَ مِنَ اللَّهِ!. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أمّا قَوْلُكَ: أنْ تَقُولَ قُرَيْشٌ: ما أسْرَعَ ما خَذَلَ ابْنَ عَمِّهِ وجَلَسَ عَنْهُ. فَقَدْ قالُوا: إنِّي ساحِرٌ، وإنِّي كاهِنٌ، وإنِّي كَذّابٌ. فَلَكَ بِي أُسْوَةٌ، أما تَرْضى أنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنزِلَةِ هارُونَ مِن مُوسى غَيْرَ أنَّهُ لا نَبِيَّ بَعْدِي؟ وأمّا قَوْلُكَ: تَبْتَغِي الفَضْلَ مِنَ اللَّهِ. فَقَدْ جاءَنا فُلْفُلٌ مِنَ اليَمَنِ، فَبِعْهُ وأنْفِقْ عَلَيْكَ وعَلى فاطِمَةَ حَتّى يَأْتِيَكُما اللَّهُ مِنهُ بِرِزْقٍ»
المسلم المؤمن الصادق إذا نادى المنادي أو اشتدت الأزمات أو تطاول البغاة على الإسلام وشريعته أو كتابه أو رسوله أو على أهل الملة أو بلاد الإسلام، فإنه يهب مسرعا متسابقا إلى نيل إحدى الحسنيين: إما نصر من الله وعزة للمسلمين، وإما شهادة ونيل لمرتبة الأنبياء والصالحين.
نموذج ذلك ومثاله القوي في هذا الحديث الذي يخلد موقف صحابي جليل هو جعفر بن أبي طالب، ابن عم النبي الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم، وهو قائد مجاهد غيور من أشجع أبطال الإسلام وقادتهم، وقد أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يتخلف عن إحدى الغزوات وكلفه بحراسة أسرته ورعايتها خلال غيابه في الغزوة. لكن روح الجهاد ثارت في أعماق جعفر، فحاور قائدَه النبيَّ صلى الله عليه وسلم معبرا عن رغبته الملحة في الخروج للجهاد، متعللا بعلتين: أولاهما أن الناس سيتهمونه بالجبن وخذلان قائده وخيانة أمته، والثانية أنه سيحرم من الفرحة بفضل النصر والغنيمة!!
فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم عن العلة الأولى بأن المجاهد لا يلتفت إلى كلام الناس، ولقد تطاولت قريش على الرسول نفسه فقالت عنه إنه ساحر، وكاهن وكذاب، أفلا يكون رسول الله قدوة للمؤمن؟ وأجابه عن الثانية بأنه يمكن تعويض الغنيمة في حال النصر بتحركٍ تجاريٍّ يلتمس به رزقاً ينفق منه على نفسه وعياله ومن هو مكلف بهم، وله فيه أجر وثواب، وقد يدرك بخلافة قائده في آله مرتبة الأنبياء، كما أدركها هارون بخلافته موسى في قومه عليهما السلام.
بهذه الروح الجهادية يهب المسلم لنصرة دينه وأمته والدفاع عن البلاد والعباد، وبهذه الروح تستطيع الأمة أن تتبوأ مكانتها في الكون، وسيادتها على الناس وجدارتها بالسياسة والحكم، ولا يكون شيء من ذلك بالتخاذل والجبن وترك المجاهدين وحدهم في ساحات القتال يواجهون تكالب قوى الشر على الأمة بكل غطرسة وجرأة، ويعانون الظلم والقهر والجوع والعطش والإبادة والخراب.
إن الأمة تحتاج إلى إيمان يبعث في النفوس كراهية حياة الذل والهوان والجبن والاستسلام، ويؤجج نار الغيرة وحب الجهاد والاستشهاد في سبيل الله! وما يدريك، فحتى لو استسلم الجبناء لن يسلموا، ولقد شاهدنا في هذه الأيام (مناضلا) استسلم لعدوه ولم ينفعه استسلامه، وقتل رميا بالرصاص، مع أن في هذا مخالفة صارخة لـ(القوانين الدولية)!!




