غزاويات طوفان الأقصى(24)منهج المفاوضات عند بني صهيون واغتيال الوسطاء
كتبها: ذ نورالدين الهادي/ باحث

الثلاثاء 9 شتنبر 2025
إن دراسة سلوك الأفراد والتجمعات والمجتمعات، تنبني على فهم منطلقاتها الفكرية والإديولوجية، ومصالحها الاستراتيجية القريبة والمتوسطة والبعيدة المدى، وخططها التي تتبناها أوالتي نستنبطها من خلال تتبع هذه الجوانب وجوانب أخرى مكملة لها، كما أن فهم سلوك أي تجمع بشري يقتضي فهم ميكانيزماته التي يتحرك من خلالها، عبر دراسة تاريخية اجتماعية للتصرفات التي تحكم علاقته بالآخر، ومواقفه تجاه القضايا التي يكون عنصرا فاعلا فيها، أو تشكل عنصرا حيويا لوجوده وكيانه، لذلك فالظاهرة الإجتماعية هي تسلسل تاريخي يمكن فهمه عبر مراحل زمنية تستمر لعقود بل لقرون.
إن القرآن الكريم بما يحكيه من قصص قرآني، قطعي الثبوت إذ كل ما ذكر من القصص القرآني عن الأمم السابقة هو حق وصدق، لذلك ففضلا عن كونه كتابا منزلا للبشرية ليكون لها منهجا، فهو كنز تاريخي يؤرخ للأحداث الهامة التي ميزت تاريخ البشرية منذ خلق آدم عليه السلام، لتستفيد من عبر هذا التراكم المعرفي، ومما يلاحظه الباحث في هندسة ترتيب الآيات والسور في القرآن الكريم بهذا الإبداع الرباني، أن أكبر سورة في القرآن الكريم جاءت بعد سورة الفاتحة؛ التي هي أم القرآن والسبع المثاني، هي سورة البقرة التي تناولت أصول العقيدة والشريعة الإسلامية، حيث اشتملت على قضايا الإيمان بالغيب والبعث والآخرة، وأسس أركان الإسلام، وتوضيح المعاملات الإجتماعية والمالية، وإعداد الأمة لحمل أمانة الدين، لكن رغم كل هذا الخضم من الآيات والتوجيهات الربانية في هذه السورة حول القضايا الأهم في حياة الناس ومآلهم عند ربهم، فقد تناولت سورة البقرة عبر مقاطع هامة قصص الأنبياء مع بني إسرائيل، وسميت السورة بالبقرة التي أورد القرآن الكريم قصتها كاملة، حين أمر نبي الله موسى عليه السلام بني إسرائيل بذبح بقرة، أي بقرة، لكشف قاتل شخص ثري لم يعرف قاتله، لكنهم عاندوا واشترطوا وشددوا على أنفسهم وفاوضوا نبيهم حتى اشتروها بأضعاف ما كان عليهم شراؤها، وذلك بسبب جحودهم و كثرة جدالهم العقيم، وفي نفس السياق بين أخلاق الجدال والتفاوض العبثي لبني إسرائيل في نفس السورة، فكان الحديث عن سلوكات مشينة تميز بها هذا القوم عن باقي الأقوام السابقة، حين لم يكتفوا بمعجزات نبيهم موسى عليه السلام، واشترطوا لإيمانهم (حتى نرى الله جهرة)، وأنكر عليهم خلط الحق بالباطل رغم يقينهم بالحق (وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) البقرة/42، ووصفهم بتغيير كلام الله ( أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) البقرة/75، ووصفهم بنكث العهود والمواثيق كمنهج ثابت في تعاملهم مع الآخر حتى ولو مع أنبيائهم (أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ) البقرة/ 100.
إن تسمية أطول سورة في القرآن الكريم بسورة البقرة وتصدرها لباقي السور، والحديث فيها عن كل تلك التوصيفات والسلوكيات التي وردت عبر العشرات من الآيات… يشي بمعاني ودلالات كبيرة على نبذ هذا السلوك والمنهج المرفوض، الذي لا يستقيم مع قيم العدل الإنسانية، التي تنبني على الوضوح والصدق وعدم سلب حقوق الآخر بالمكر والخداع.
لم يقتصر سلوك المكر والمراوغة والخداع هذا عند بني إسرائيل على حقبة القرون السابقة من عهد الأنبياء، ولكنه ذات المنهج الذي ميزهم عبر الزمن وورثه بنو صهيون من بعدهم، فمنذ قيام الكيان الصهيوني في أرض فلسطين قامت الإستراتيجية التفاوضية الإسرائيلية على أساس “إدارة الصراع” وليس على أساس “حل الصراع”، وهي إستراتيجية تسعى إلى إطالة عملية التفاوض من أجل إنهاك وإضعاف الخصم وإصابته بالملل، كذلك يعمد المفاوضون الصهاينة إلى تجزئة القضايا المتفاوض حولها وتجزيء المجزّأ، والاستغراق في التفاصيل الثانوية، وتوليد الحوارات المتعددة وتكثير الاجتماعات واللجان الفرعية، وعدم إدراج المطالب الجوهرية للمفاوضين الفلسطينيين، والتهرب من استحقاقات جميع عمليات التسوية الموقعة، إلى أن يقنع الفلسطينيون بالخيار الوحيد المتاح إسرائيليًّا، وإلا اتهمت الطرف الفلسطيني بعدم الجدية والتشدد، لذلك رفضت “إسرائيل” نهج التسوية الشاملة عبرالمنظمات الدولية عبرضرب كل المرجعيات والقرارات الأممية، وتبنت سياسة “الخطوة خطوة”، وجزأت التسوية إلى مسارات منفصلة، ثم جزأت المسارات المنفصلة إلى مراحل ومحطات ومتاهات لا تنتهي وإبقاء العملية التفاوضية عملية مستمرة لانهائية… ويحرص الإسرائيليون في استراتيجيتهم التفاوضية على حل مشاكل كيانهم وليس حل القضية الفلسطينية وعدم الوضوح بتقديم مبادرات عملية، فبعد تقسيم فلسطين، تم تغييب قيام دولة فلسطينية على الضفة وقطاع غزة المنفصلتين جغرافيا، وبدأت مبادرات عن شكل من الحكم على أجزاء من الضفة وليس الضفة كاملة بعد انتشار المستوطنات الصهيونية وتقطيع أوصال الضفة، إلى أن صار المسؤولون الصهاينة يصرحون بمحو القطاع وضم الضفة وتهجير جميع الفلسطينيين خارج فلسطين وإنهاء القضية بشكل كامل وهذا هو السلام الذي يحلمون به، ومن تم صار المطلب هو وقف حرب الإبادة والتراجع عن التهجير، أما الدولة الفلسطينية، وإعادة القدس الشرقية للفلسطينيين، وعودة “إسرائيل” إلى حدود ما قبل حرب 1967 على الأقل، وعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى الأرض المحتلة سنة 1948، وإزالة الكتل الاستيطانية اليهودية في الضفة الغربية، وغيرها من الحقوق الفلسطينية المشروعة فتلك أحلام وضرب من الخيال.
وقد استفاد الصهاينة في العملية التفاوضية من مزايا غياب التكافؤ في ميزان القوى لمصلحتها، ونفوذ الصهيونية العالمية دوليا، وقدرتها على التأثير وصناعة القرار في الولايات المتحدة ودول أوربا، مقابل حالة الضعف والعجز العربي والإسلامي، والتعامل مع المسارات التفاوضية مع العرب على أنها مسارات منفصلة من أجل منع العرب من التعامل ككتلة واحدة قوية ومتناسقة، وحرصًا على الاستفراد بكل طرفٍ معنيٍّ بالتسوية على حدة، وعزله وإضعافه، وإقحام الولايات المتحدة الأمريكية كراعي للمفاوضات وهي الداعم الأول بالمال والسلاح للكيان الغاصب، كذلك تفريط أطراف فلسطينية في الكفاح المسلح لتحرير الأرض والسعي وراء سراب المفاوضات العبثية، حيث يعمد المفاوض الإسرائيلي إلى الترحيب بالمبادرات الفلسطينية والعربية، وأخذ ما فيها من تنازلات على أنها حقوق مكتسبة، ثم البناء عليها للمطالبة بمبادرات جديدة لتحقيق مكتسبات جديدة وتنازلات جديدة في الوقت الذي يتم فيه بناء الحقائق على الأرض عبر الإستيطان وبناء القوة العسكرية والتكنولوجية والمزيد من التوسع على حساب دول المنطقة، من أجل الوصول إلى الأوضاع النهائية المفروضة إسرائيليًّا، مع نزع أوراق الضغط الفلسطينية، بحيث لا يجد الفلسطيني في النهاية ما يتفاوض عليه، ويكون أمام خيارات محددة بالسقف الإسرائيلي والشروط الإسرائيلية.
أما المفاوض العربي فيشتغل من موقف ضعف شديد وتشرذم وتخلف زاد استفحالا مع مرور الوقت، بالنظر للتفكك الذي يعيشه الوطن العربي نتيجة خلافات بين مكوناته وغياب الديمقراطية، مما أدى الى غياب أي استراتيجية، ورفع شعارات “الواقعية” وتقديم مبادرات جديدة تتضمن تنازلات جديدة يعتبرها الصهاينة مبادرات “إيجابية” ويطالب بالمزيد إلى حين إفراغ سلة العرب، وانتهينا إلى حالة الخنوع والتطبيع والتسليم لبني صهيون، أما المفاوض الفلسطيني، فيتم الضغط عليه من أجل كسر إرادته عبر قهرالشعب الفلسطيني بالحصاروالاغتيالات والاعتقالات ومصادرة الأراضي وهدم المنازل وإغلاق المعابر ومنع حركة العمال ومضاعفة الحواجزوتسريع إجراءات الاستيطان والتهويد والجدار العازل وتدمير البنى التحتية والسيطرة على مصادر المياه ، وتأخير تنفيذ الالتزامات والاستحقاقات المرتبطة بالتسوية، وهي أوضاع تدفع باتجاه جعل مجرد تحقيق أي أمر بسيط أو تخفيف أي ضرر مكسبًا كبيرًا، مثل تحصيل لقمة الخبز أو حرية الانتقال، أو الإفراج عن معتقلين، أو وقف تدمير المنازل والأراضي ومصادرتها، أو زحزحة الجدار العنصري العازل بضعة أمتار، أو إنهاء الحرب ووقف التهجير.
إلى جانب هذا الدهاء والمكر والخديعة في إدارة الكيان الصهيوني لمفاوضاته مع العرب، أبى إلا أن يضيف إلى إنجازاته التفاوضية عملا إرهابيا، فمثلما اغتالوا الرئيس السابق إسماعيل هنية في طهران وهو الذي كان يرأس شخصيا وفد حماس في مفاوضات الحرب على غزة، عمد الطيران الحربي الصهيوني يومه الثلاثاء 9 شتنبر 2025 إلى محاولة اغتيال فاشلة ضد فريق التفاوض المشكل من قيادة حركة حماس في العاصمة القطرية الدوحة، بعد ورود معلومات استخباراتية عن اجتماعه لمناقشة الورقة الأمريكية وكأنها كانت طعما للغدر بالوفد الفلسطيني، في مخاطرة غير محسوبة العواقب ضد الوسيط العربي الأهم في المفاوضات الجارية منذ سنتين لوقف حرب الإبادة في قطاع غزة، صحيح أن محاولة الاغتيال لم تنجح ، لكن تم اغتيال الثقة مع الوسطاء بقصف الوسيط وهو نوع من الاغتيال المعنوي، واغتيال الصفقة، واغتيال المفاوضات من أساسها، و “إحراج (الوسيط) الأمريكي ” حيث أخبروا ترامب بعملية الاغتيال قبل القيام بها دون أن يحذر القطريين الذين منحوه الهدايا والتريليونات من الدولارات قبل أشهر قليلة لكنها لم تشفع لهم، كما لم تتحرك الدفاعات الجوية الأمريكية الموجودة في القواعد الأمريكية على الأراضي القطرية ولم تشعر نظيرتها القطرية، علما أن هناك تسريبات حول مشاركة القيادة الوسطى الأمريكية في هذه العملية، مما يشكل غطاء أمريكيا مطلقا للعربدة الصهيونية في المنطقة، ويسمح لها باستباحة الأجواء العربية بكل أريحية ودون رادع، وبذلك أصبحت قطر أول دولة خليجية تتعرض لعدوان عسكري إسرائيلي وهو تحد كبير لمنظومة دول الخليج وامتحان لهذه الدول لقياس ردود فعلها، لكنها فرصة تاريخية لدول الخليج لنفض غبار الذل والهوان ونصرة القضية الفلسطينية عبر التلويح بما يملكونه من قوة اقتصادية لإرباك الاقتصاد العالمي مثلما فعل الملك فيصل رحمه الله أوائل السبعينات.
بالتأكيد فإن هذا العدوان السافر على دولة عربية لها سيادة، يعد تجاوزا لكل المعايير الدولية، وغدرا تغذيه أوهام نرجسية وتصرفات إرهابية، وهو رسالة للعالم ولدول المنطقة وإعلان عالمي يطلقه زعيم الإرهاب لدولة مارقة لا تعرف إلا لغة الاستعلاء مدعومة من الاستكبار الأمريكي متحدية المنتظم الدولي بادعاء القوة الضاربة في المنطقة، فهل تتحرك الأمم المتحدة لوقف هذا الصلف والعدوان الإسرائيلي بتطبيق البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة الذي يمنح مجلس الأمن الدولي سلطة اتخاذ إجراءات قسرية لحفظ السلم والأمن الدوليين، والتي قد تشمل فرض العقوبات أو اللجوء إلى القوة العسكرية في حالات تهديد السلم أو الإخلال به أو وقوع العدوان؟؟؟ والحالة هاته أن الكيان الصهيوني اعتدى على دول المنطقة القريبة والبعيدة والآن يعتدي على الوسطاء.





مقال جميل و سلس في تسلسل الأحداث و المعطيات.
العدو معروف تاريخيا و لنا في القران الكريم تعريف و براهين و كذلك نبوءات بما نعيشه و نراه ام العين و نسمعه و نشمه من مكرهم و ظلمهم، لكن أكلنا يوم أكل الثور الأسود.
أملنا في طوفان الأقصى و حكمة و عدل ربنا ليرينا ما يثلج صدورنا و الإنسانية جمعاء في بني صهيون الذين خربوا الارض و من عليها
تحياتي للأستاذ نورالدين