
كلنا يتوق إلى أن يعيش في مجتمع سليم بقلب سليم ، لكن يظهر أن معطيات العصر الحديث الذي طغت فيه القيم الغربية في الاقتصاد والسياسة حيث ملأ الجانب الصناعي الرأسمالي الحياةالعامة و الخاصة فظهر تأثيره على الإنسان. فشاعت الأمراض النفسية والاجتماعية في الأفراد بل أصبح طابعًا للمجتمعات بأكملها نشأت على إثره علاقات غير إنسانية، انبنت على الاستلاب والاغتراب وفقدان المعنى.
ولتصحيح الوضع نطرح سؤال ماهو نموذج المجتمع السليم ما هو ؟ وماهي الأسس التي يجب أن يكون عليها؟ أي مجتمعا يحقق للإنسان الحرية، الحب، الإبداع، والانتماء، بدلًا من تحويله إلى ترس في آلة الاستهلاك والإنتاج.
بداية نقرر مع العلماء المهتمين بالموضوع أن المرض اجتماعي لا فردي فقط،و أن معظم التحليلات النفسية التقليدية تركز على اضطراب الفرد باعتباره مشكلة شخصيةمعزولة ، فالكثير من الأمراض النفسية هي انعكاس مباشر لشكل المجتمع الذي يعيش فيه الفرد، وأن المجتمع المريض يخلق أفرادًا مرضى.
، يعيشون ألم الاستلاب والاغتراب عن الذات باعتبارهما يشكلان الأعراض البارزة لهذا المرض الجماعي.
لذى فانتقاد و نقد المجتمع الصناعي الرأسمالي من الأمور الأولية التي يجب الاطلاع بها، أنه مجتمع رأسمالي وحشي يقوم على النزعة الاستهلاكية وتسليع الإنسان، حيث أصبح الفرد يُقاس بما يملك لا بما هو، وبمدى إنتاجيته لا بإنسانيته.
هذا هو اللغز أوالسر الذي يبين النمط الجديد في توليد الشعور بالفراغ واللاجدوى، ويعزز العزلة والقلق الوجودي لذى الغربي وغيره في الكرةالأرضية. فغابت الحرية وانتشرت العبودية المادية الراجحة بين التفاهة والسطحية. فالحرية السلبية التي تعني التحرر من القيود التقليدية والدينية القديمة ، والحرية الإيجابية التي تعني القدرة على تحقيق الذات عبر الحب والعمل الخلاق ، أضمرتا وأضمرت فيهما الطبيعة الفطرية للإنسان الذي وصل به الأمر أن صار عاريا من إنسانيته ومن كل ما يحجب خصوصيته .فالمجتمعات الحديثة اليوم، رغم تحررها من قيود الماضي، لم تمنح الإنسان حرية إيجابية حقيقية، بل استبدلتها بالانغماس في الاستهلاك والطاعة للنظام الاقتصادي.
فما هي ملامح المجتمع السليم؟
أول ملمح هو أن يكون فيه الإنسان محور الوجود وجوبا ، وعلى المجتمع أن يُبنى لخدمة نمو الإنسان لا نمو الاقتصاد.
وثاني ملمح هو أن تكون فيه الحرية هي المسؤولة ، و يحب أن تشمل حرية الفرد لا كشعار أو انفلاتًا تسويقيا بل قدرة على اتخاذ قرارات مسؤولة.
وثالث ملمح هو أن يكون الحب والتضامن هما الأساسيات التي تبنى عليها العلاقات الإنسانية بحيث يجب أن تقوم على المشاركة لا على التنافس والاستغلال.
ورابع ملمح هو تشجيع العمل الإبداعي عند الأفراد بتنشئة الصغار عليه منذ نعومة أظافرهم ، فيكون العمل ليس مجرد وسيلة للعيش، بل مجال لتحقيق الذات والتعبير عنها.
وخامس ملمح الذي سيضمن السير العادي للحياة في المجتمع السليم بقلب سليم هو اعتماد العقلانية الإنسانية التي مؤداها أن يحكم العقل الذي يخدم الحياة، لا العقل الأداتي الذي يحول كل شيء إلى وسيلة للربح.
اما الملمح السادس ففحواه هو فتح الأبواب لتقديم اقتراحات لإصلاح المجتمع وإعادة هيكلة الاقتصاد بحيث يخدم الحاجات الإنسانية لا الربحية المحضة، وذلك بتعزيز التربية التي تركز على الإبداع والمسؤولية بدل الطاعة والتلقين، وتوسيع آلية الديمقراطية لتشمل المجالات الاقتصادية والاجتماعية، لا السياسية فقط.
وأخيرا فالمجتمع السليم كهدف هو دعوة جذرية لإعادة التفكير في علاقتنا بالمجتمع الحديث، بحيث يجب أن ننتبه أن التقدم التقني والاقتصادي لا يكفيان لخلق السعادة أو الصحة النفسية إذا لم يقترنا بإنسانية أصيلة. المجتمع السليم، عند كل عاقل إنساني هو ذاك المجتمع الذي يمنح أفراده الحرية الإيجابية ، الحب، والقدرة على الإبداع، فيتجاوزون الاغتراب ويستعيدون معنى الحياة، أي قلبا سليما في مجتمع سليم.




